في الذكرى الثالثة لتسميم عميل روسي سابق في لندن، واتهمت به موسكو، قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند في مدونته الإلكترونية قبل أن يصل إلى الكرملين في زيارة هي الأولى لوزير خارجية بريطاني بعد فترة انقطاع استمرت خمس سنوات: «نحن وروسيا لا نرى الأشياء دائماً بالمنظار نفسه، لكننا نتقاسم التحديات ذاتها».

والفكرة تكمن في التصريح الذي ليس في حاجة إلى تصفيق، بل هو إرهاق العقل في التطبيق على أساس أن البحث عن المشترك أضحى من أبجديات السياسات الدولية، وهو يأخذ حيزاً يتنامى في التواصل الدبلوماسي بين العواصم انطلاقاً من قاعدة المصالح المشتركة، والتي تصل حد التعقد من كثرة تشابكها، وقد تحتاج إلى تصنيع من أجل بلورتها على أساس أنها تمهيد لبناء ما هو قادم من مصالح تسعى لها الاطراف المشاركة.

لندع لندن تغازل موسكو كما تشاء، لنفكر عربياً في تقاسم التحديات التي تواجهنا كيفما التفتنا، بدل المسارعة في تبادل الاتهامات، وإلقاء المسؤوليات عن عاتق لكي يحملها عاتق الآخر في استبسال في غير محله، وأخيراً للجلوس في ركن قصي ورفع شعار «أنا أولاً» وكأنه طوق إنقاذ في مفاخرة لا تخلو من خواء يملؤه هزال الرؤية والوسيلة، وفي انتظار المكاسب في حين أن كل الدلائل تنبئ بنتائج تحمل جينات الأقزام في محصلتها العامة وبما يجعل الخطوات تتالى على إيعاز للخلف سر!!

أليس هذا من طيش العقول عن جادة الصواب، وإلا فالتحديات في غير حاجة إلى نبش الإبر بحثاً عن مشترك يجمع الأطراف على طاولة تقاسم البحث عن إجابات، وبعيداً عن أنانية تصب في اتجاه واحد هو بحر الفشل مهما حاول المنظرون رص ديباجات القناعة بإمكانية خلق حلول تضمن الانسلاخ بعيداً عن التحديات التي يواجهها الآخر.

بل إذا أريد الإنصاف في هذا الأمر، فالمنظار نفسه الذي أشار إليه ميلباند نحن نكاد واقعياً ننظر من خلاله إلى مواقعنا من الأحداث، لكن النتائج التي نسير إليها تأتي وفقاً لإرادة الأهواء الملتبسة بمنطق «الأنا» زوراً وبهتاناً، لكي نضع بعد ذلك كل تخبطنا في برواز بلا أطراف ومحاط بالعبارة المتهرئة «ليس في الإمكان أفضل مما كان».

ومن نافلة القول إن هناك حديثا متشابها لدى أكثر من طرف عربي حول مشتركات التحديات وهذا نلمسه في اجتماعات القرار العربي، وهو شبه دائم في مطولات أهل الفكر والرأي والتخصص، لكن هنا يصبح الكلام إدانة لكثرة ترداده في لحن القول وفقدانه لأهلية العمل، وذلك لغياب صدق النوايا والتوجهات وتمطي الأحلام بعيداً عن الواقع.

talib99@emirates.net.ae