تستحق خدماتنا الصحية أن نفرد لها أكثر من مقال، وتستحق أن نفتح لها أكثر من ملف وتحقيق، لأنها تستحق أن تكون الأفضل. هذا ما حاولنا أن نفعله على مدى الأسبوعين الماضيين، وهو ما نحاول أن نستكمله اليوم لنختم به، رغم اقتناعنا بأن الموضوع قابل لمواصلة الحديث عنه طالما أن معاناة المرضى ما زالت مستمرة.

وطالما أن قوافل المرتحلين إلى مستشفيات تايلاند وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة تزداد عاما بعد عام، وطالما أن ملف أخطاء التشخيص والعلاج يتضخم يوما بعد يوم، ولدى كل واحد منا أكثر من دليل وشاهد على ذلك. نحن لا نبالغ ولا نطلب المستحيل حين نقول إن خدماتنا الصحية تستحق أن تكون الأفضل، ليس فقط لأن دولتنا ولله الحمد تولي هذا القطاع منذ قيامها وإلى الآن الاهتمام الأكبر.

وتخصص له من الميزانيات كل عام ما يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الدول المتقدمة في الخدمات الطبية، بشهادة العاملين في هذا القطاع أنفسهم، لولا سوء إدارة وتوجيه هذه الميزانيات. ولكن لأن الخدمات الصحية واحدة من أساسيات نجاح التنمية واستمرارها، ونحن دولة قطعت شوطا كبيرا في مجال التنمية، وتعمل حكومتنا لأن تكون واحدة من أفضل الحكومات وفق المقاييس العالمية، وما لم تواكب الخدمات الصحية هذه الجهود فإن كل ما نفعله لتحسين المرافق الأخرى يظل ناقصا أو يذهب سدى.

نعتقد أن مسيرة الخدمات الصحية لدينا بحاجة إلى دراسة وتقييم لمعرفة مواقع الخلل فيها، هذه المواقع التي يتحدث الجميع عنها، دون أن نجد لها حلا جذريا ينهي معاناة العاملين في هذا القطاع والمتعاملين معه، فما يعاني منه العاملون في الداخل ينعكس سلبا على الخدمات التي تقدم للمتعاملين معه من الخارج. لدينا كفاءات طبية وإدارية مواطنة اكتسبت من الخبرة ما يؤهلها لإدارة الخدمات الصحية بكفاءة واقتدار.

لكن بعضها لم يأخذ فرصته الكاملة واستُبعد لسبب أو لآخر، وبعضها مهمش ومستبعد عن منطقة اتخاذ القرار من الأساس. أما فكرة الاستعانة بالمستشفيات الأجنبية لإدارة بعض مستشفياتنا، فلم تنعكس بشكل إيجابي كبير على الخدمات التي تقدمها هذه المستشفيات بالدرجة التي نتوقعها، بدليل اعتراف الرئيس التنفيذي لمدينة الشيخ خليفة الطبية التي تديرها «كليفلاند كلينك» الأسبوع الماضي، بوجود مشكلة اكتظاظ المراجعين وطول ساعات الانتظار في قسم الطوارئ في المستشفى، وتأكيده جدية الإدارة في تنفيذ خطط تساهم في حل هذه المشكلة التي اعتبرها من أبرز التحديات التي تواجه المدينة.

وهي مشكلة مزمنة سبق أن وعدت إدارة المدينة بحلها ولم يحدث ذلك، بل إنها مشكلة مشتركة بين جميع مستشفيات الدولة، تضاف إليها مشكلة صعوبة الحصول على مواعيد في العيادات المتخصصة التي يحوَّل إليها المراجعون لأقسام الطوارئ، إلى الدرجة التي أصبح فيها الحصول على موعد بعد ثلاثة شهور أمرا اعتياديا، مما جعل السفر إلى الخارج والحصول على التشخيص والعلاج خلال فترة لا تجاوز الأسبوع، حلا مقبولا لدى الكثير من المرضى.

غياب التواصل الفعال بين الجهات الصحية، التي كان من الممكن أن يكون تعددها عاملا إيجابيا لزيادة المنافسة في تقديم أفضل الخدمات، كما تقول طبيبة مواطنة تعمل في وزارة الصحة، يعتبر من أهم معوقات إصلاح واقعنا الصحي.

بالإضافة إلى أن قِدم التشريعات الصحية أو غيابها في كثير من الأوقات، يؤدي إلى التخبط وإلى ظهور العديد من القوانين الصحية المحلية التي قد تخالف في بعض الأحيان قوانين وزارة الصحة الاتحادية، لذلك (والكلام ما زال للطبيبة المواطنة) فإن التأخر في تفعيل دور المجلس الصحي الذي أنشئ للتنسيق بين هذه الجهات المتعددة، سيؤدي إلى مزيد من التخبط، بالإضافة إلى أن الجهات الصحية المختلفة لا تعتمد الشفافية في تبادل المعلومات الحيوية التي من شأنها أن تؤدي إلى تخطيط أفضل للخدمات الصحية المقدمة.

وإلى استغلال الموارد بشكل صحيح، الأمر الذي ينتج عنه وجود أكثر من مقدِّم لخدمة معينة في مكان واحد، أو وجود أكثر من جهاز جديد قد يكلف الكثير في المكان الجغرافي نفسه من الدولة، وبالتالي تتركز هذه الخدمات أو الأجهزة في مدينة واحدة وحرمان غيرها منها، وهو ما يطرح قضية توزيع الخدمات الصحية بين المراكز والأطراف.

كما تبرز هنا أهمية التركيز على الطب الوقائي والطب المجتمعي والبرامج الوطنية المتكاملة، لتقليل نسبة الإصابة بالأمراض المزمنة (كالسكري والسرطان وأمراض القلب) وغيرها من الأمراض المعدية، لرفع الضغط عن الخدمات العلاجية والتخفيف من الأعباء المالية والبشرية التي تتحملها الجهات الصحية المختلفة، حيث يمكن أن ينعكس أثر هذا على المدى البعيد إيجابيا في تقليل الإصابات وخفض معدلات الوفيات الناجمة عن هذه الأمراض.

لدينا العديد من الخبرات المواطنة الممتازة التي أتمت تعليمها وتدريبها في أعرق الجامعات العالمية، والتي لو أعطيت الفرص التي تعطى للخبراء الأجانب لجنينا منها الكثير، وفق ما تقوله رسائل العاملين في الحقل الطبي، كما أن ندرة الدراسات الميدانية للوقوف على الواقع الصحي للعديد من الأمراض، يؤدي إلى تخبط هذا الواقع، بالإضافة إلى أن عدم إشراك العاملين الصحيين في وضع خطط استراتيجية قابلة للتحقيق، من أهم أسباب فشلها.

فالعديد من الأهداف التي وُضِعت في الاستراتيجيات تحتاج في المقابل إلى موارد بشرية ومادية، وعدم توفر هذه الموارد يؤدي إلى نتائج سيئة بشكل عام.

«خدماتنا الصحية.. تستحق أن تكون الأفضل» ليس مجرد عنوان نطرحه لمقال، وإنما نتمنى أن يكون شعارا لمرحلة ونحن نقف على عتبة العقد الخامس من عمر دولتنا التي حققت على مدى العقود الماضية إنجازات كثيرة في كل المجالات.

وكانت الصحة من المجالات التي لم تبخل عليها بالجهد والمال والاهتمام. لذلك نحن واثقون أن بإمكانها أن تكون الأفضل كي تكسب ثقة المتعاملين معها والعاملين فيها معا، فالصحة تاج نتمنى أن نراه على رؤوسنا جميعا، شريطة أن نزيل الغشاوة التي نعتقد أنها تحجب الرؤية عن كثير من الجوانب التي تشوه الصورة وتطمس معالمها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com