هنا التاريخ لا يحتمل الهمس، وهو كذلك أعظم من الاحتفالية الخطابية ولو تليت فيها معلقات الإعجاز اللغوي من لدن الكلمة الأولى وحتى نهايات صور البلاغة، انه الفصل بين التأسيس في أم القرى وإقامة دولة الكون في يثرب الأنصار، عشرون عاماً ونيف بين البعثة والوفاة كانت واسطة عقدها الهجرة.

انه التجلي في أبهى حلة في ذكرى هجرتك يا حبيبي يا محمد يا رسول الله، كيف لا وأنت القائد الرباني الذي مع كل ذكر له تسمو أفراح الروح إلى معارج الثريا، ويسبح الفكر إمعاناً في المعاني فمازالت مواعظ هذا الانتقال المستسلم لأمر الله سبحانه وتعالى تتوالى ما أقبل ليل وأشرق نهار، ومعهما يسير ركب المقتدين على إثرك الملتزمين نهجك، الداعين إلى دينك بالحكمة والموعظة الحسنة. صلى الله عليك يا ملك الهدى مادامت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم.

«إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ».. وهيهات ان يعثر عليك القوم وأنت في معية جبار السموات والأرض الذي بين الكاف والنون أعمى أبصار القوم فلا يرون ما عند أطراف أقدامهم، وتعثر البصر بعد الإصرار على طمس البصيرة بعجوة هبل، ويا لها من مفارقة ان ينجو الأضعف حيلة أمام جمع من القبائل، ومن لا حول و لا قوة له إلا حبل الله المتين يمضي بين مغتالي النور وكأن على رؤوسهم الطير في ملحمة سجلها القرآن إلى يوم التناد ..

«إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

سمت الكلام وأنت تعبر مشاهد الرحلة يغدو صمتاً، فهو التحول بعد الدعوة إلى كلمة سواء مع صناديد قريش حيث العناد والكبر كأشد ما يكون، والتصدي للموحدين على ضعف قوتهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس، والى صياغة جديدة عمادها لبنات الدولة القرآنية وإنزال الأحكام على أرض الواقع وعلنية العبادة وبناء المسجد، حتى قسم المفسرون الكتاب بين مكي ومدني شاهداً على هذا التحول الكبير، وما ذاك إلا ترجمة لرحلة العشرة أيام التي غيرت وجه الكرة الأرضية بعد أن استقبل المريدون النور على مشارف قباء، ليعلن قيام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة.

وبعد أعوام عشرة يعود صاحب الهجرة المباركة إلى مكة، لكن هذه المرة فاتحاً ومحطماً للأوثان، ليعلو صوت بلال بالتكبير بنداء التوحيد الخالص الخالد، وليعلنها المصطفى «لا هجرة بعد اليوم ولكن جهاد ونية».

صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم..

talib99@emirates.net.ae