في كل عام يجتمع فيه القادة الخليجيون في عاصمة من العواصم الخليجية لعقد قمتهم السنوية، يرتفع العديد من الأصوات الخليجية منتقدة المجلس بأن إنجازاته أقل من طموحات شعوب المنطقة.
ولعلنا لا نختلف مع مثل هذه الأطروحة، حيث إن ما حققه المجلس بالفعل إلى يومنا هذا لا يتماشى مع الطموح الشعبي، ولكن ما تفقده هذه الأطروحة هو عقلانية الطرح.
نحن شعوب دول الخليج تحركنا المشاعر المشتركة الرابطة بيننا، من دين وعرق ونسب وهوية وثقافة تجعلنا نندفع نحو مطالبة المجلس بعمل خليجي يكون أكثر ترابطاً ووحدة مما هو عليه اليوم؛ ولكن الحقيقة الفعلية المحركة للمجلس أكبر من تلك المشاعر المشتركة.
حيث ان نشأة المجلس لم تكن في يوم من الأيام بهدف توحيد شعوب دول الخليج، وإنما التنسيق بين قيادات دول المجلس من أجل الوصول إلى وحدة السياسات، دفعاً لتحقيق التكامل في الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية والاجتماعية والتعليم والإعلام، وليس من بين هذه المحاولات الحديث عن تكامل سياسي بمعنى كيان سياسي واحد تذوب فيه الكيانات الفرعية.
مجلس التعاون الخليجي هو اتحاد كونفدرالي بين الدول الست، يدعو إلى التنسيق في السياسات وصولاً إلى وحدة تلك السياسات، ولا يتحدث عن وحدة الدول الأعضاء فيه، في حين أن مطالب الشعوب الخليجية تتحدث عن أمور كالجواز الخليجي الموحد، والمواطنة الموحدة، والجيش الخليجي الموحد، وبرلمان خليجي موحد، وقضاء خليجي موحد، وإنهاء الحدود المشتركة.. وغيرها من الأمور التي عادة ما توجد في الدول المركزية الموحدة، وليست في الاتحادات الكونفدرالية.
ومقارنة الكثيرين لمجلس التعاون بالاتحاد الأوروبي هي مقارنة مجحفة في حق المجلس، فالاتحاد الأوروبي الذي حقق درجة متقدمة من التكامل بين أعضائه، قد انتقل من مرحلة الكونفدرالية التي قام على أساسها إلى مرحلة أخرى، ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الدولة المركزية الموحدة أو الدولة الفدرالية.
فالاتحاد الأوروبي حالة استثنائية في هذا المجال، ولكن لا يمكن مقارنته بمجلس التعاون الخليجي، لسبب رئيسي وهو أن قرار التكامل والاندماج في الدول الأوروبية هو قرار شعبي من قبل شعوب دول الاتحاد، في حين أن مجلس التعاون هو مجلس قيادات دول الخليج العربي.
وقراراته تأتي تماشياً مع ما تريده القيادات الخليجية، حيث لا دور لشعوب دول الخليج في نشأة المجلس ولا استمراره ولا تحديد مستقبله، فهو بمثابة منحة مقدمة من قيادات الخليج العربي لشعوب المنطقة لتستفيد قدر ما أمكن من الترتيبات التي يمكن أن يتم التوصل إليها بين أعضائه.
فذوبان دول المجلس في بوتقة سياسية واحدة أمر ليس واردا في فكر دول المجلس، وإنما الوارد هو التنسيق بين سياسات الدول الأعضاء لتحقيق التكامل في بعض المجالات.
مجلس التعاون عندما تم إنشاؤه في بداية الثمانينات، كان بغرض تحقيق الأمن لدول المنطقة، أي أن دول المنطقة قد أحست بوجود أخطار متمثلة في مجيء النظام الديني الثوري في إيران واندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبالتالي توصلت إلى قناعة بالحاجة لتنسيق السياسات والمواقف من أجل حماية نفسها، فجاء المجلس كآلية من أجل تحقيق ذلك الهدف.
ولكنه بعد ذلك تحول إلى إضافة عنصر آخر، وهو عنصر التكامل الاقتصادي ليتماشى مع التكامل الأمني. وعلى الصعيدين الأمني والاقتصادي تحققت إنجازات كثيرة وبقيت إنجازات أخرى لم تتحقق، ولكن استطاع المجلس أن ينطلق نحو بعد آخر غير البعد الأمني هذه المرة.
قضايا الأمن والاقتصاد هي قضايا هامة مشار إليها في النظام الأساسي للمجلس، وبالتالي العمل من خلالها هو جزء هام من أهدافه، ولكن الحديث عن التكامل السياسي في كيان سياسي واحد تذوب فيه سيادة الدول الأخرى، هو أمر غير موجود في النظام الأساسي للمجلس ولا يدعو له، وبالتالي فإن الدفع نحو انتقاد المجلس لعدم تحقيقه الوحدة الخليجية المشتركة، فيه إجحاف في حق المجلس الذي لم ينشأ أساساً من أجل تحقيق هذا الهدف.
إن ما حققه المجلس إلى يومنا هذا وما يسعى إلى تحقيقه وفقاً للخطط المقدمة التي تتماشى مع نظامه الأساسي، هو أقصى ما يمكن أن يحققه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وليس في الأفق ما يشير إلى غير هذا، حيث ان تمسك الدول المفرط بسيادتها وعدم رغبتها في التنازل عنها، يمثل عائقاً كبيراً أمام المجلس ليحقق درجة أكبر من التكامل تفوق ما تحقق إلى الآن.
كما أن إحساس بعض الدول الأعضاء بوجود حالة من الرغبة للتفرد بإدارة شؤون المجلس من قبل دول أخرى عضو فيه، يجعل إمكانية السير نحو مزيد من التكامل أمرا صعبا ولا يمكن أن يتحقق في الوقت الراهن، حيث أن الثقة في مثل هذه الظروف قد لا تكون متوفرة بالشكل الذي يأمله المواطن الخليجي. لذلك فإن مثل هذا الأمر يجعل كل طرف في المنظومة الخليجية ينظر إلى مصلحته الخاصة الضيقة، أكثر من المصلحة المشتركة لدول المنطقة.
إن آمال وطموحات الشعوب الخليجية لا يمكن أن تتحقق في مثل هكذا ظروف؛ وعليه فإن الحاجة تبرز إلى ضرورة عدم تحميل المجلس ما يفوق طاقته وقدرته. فما تحقق إلى الآن يجب أن يُشاد به، والمخطط له يجب أن يُدعم، والمرجو من المجلس أن يحققه يجب أن يظل، ولكن بأسلوب لا يهدم ما تم تحقيقه إلى الآن، فالمشروع الخليجي هو مشروعنا الناجح الذي يجب أن نفتخر به ونشد من أزره، ولا نقلل من شأنه وأهميته مهما كان.
جامعة الامارات