كانت أفغانستان القضية الأساسية من حيث حجم الاهتمام والقلق في «الشرق الأوسط الكبير» لهذا العام، وكافة المؤشرات تدل على أنها ستكون في «الصدارة» أيضا في العام القادم، بسبب التطورات المتسارعة وتداعياتها ومخاطرها الإقليمية والدولية. وزاد من أهمية أفغانستان أنها أدمجت معها كمشكلة أساسية باكستان النووية، وصار الحاضر والمستقبل مترابطا بين البلدين أو المسرحين الاستراتيجيين.

أوجه عديدة تبرز في ما يتعلق بالعنوان الأفغاني، منها القرار الأميركي بالانسحاب التدريجي ابتداء من يوليو 2011، والاستقرار الأفغاني وشروطه، وإدماج طالبان أو بعضها في السلطة، وسياسة «بناء الأمة» الذي يعني بناء مؤسسات وطنية من عدمه.

قرار الرئيس الأميركي بزيادة القوات في أفغانستان الذي اتخذ بعد أشهر من التردد، دل على وجود انقسام حاد في الإدارة الأميركية حول أفضل السبل وأنجعها للخروج من «المستنقع الأفغاني»، وأهم من ذلك دل على وجود خلاف حول تغيير الأهداف الأميركية في أفغانستان وخفض هذه الأهداف لجعلها أكثر تواضعا وواقعية.

فتراجع عنوان التغيير في أفغانستان تحول ليصبح توفير الاستقرار في أفغانستان، وقرار الرئيس الأميركي بزيادة القوات والإعلان عن الخروج من أفغانستان أزعج جماعته ومعارضيه: زيادة القوات أزعجت الديمقراطيين، وقرار الانسحاب أزعج الجمهوريين .

وتطرح المسألة الأفغانية أسئلة سبعة: أولا، هل يمكن الخروج الأميركي والأطلسي من أفغانستان وتوفير الاستقرار الذي يرتبط به فعليا قرار الخروج وتوقيته، مع إسقاط هدف «بناء الأمة» أو بناء مؤسسات الدولة، على الأقل في الحد الأدنى، لتمكين هذه المؤسسات من العمل وبالتالي خلق دولة «طبيعية» من حيث الفعالية، مع إبقاء الطموح متواضعا في هذا المجال.

ثانيا، هل يشكل الرئيس حامد قرضاي البشتوني والقادم من التركيبة التقليدية في البشتون، عنصرا يمكن الرهان عليه في تحقيق الاستقرار أم انه يشكل عائقا كما يرى الكثيرون أمام تحقيق الاستقرار، بسبب السلبيات التي ارتبطت برئاسته، والسؤال هو: كيف يمكن جر الناس إلى الارتباط بالسلطة ضد الطالبان، أو على الأقل إلى الحياد لتبقى بعيدة عن الطالبان، بينما الناس لا تشعر أن هذه السلطة تمثلها أو تخدمها أو أنها تشكل جسر العبور إلى الخلاص والاستقرار بالنسبة لها؟

ثالثا، في ظل التركيبة الأفغانية وتداخلها مع التركيبة الباكستانية المجتمعية شديدة التعقيد، كيف يمكن التفاهم مع طالبان التي تعيش زهو العودة المنتصرة أمام ارتباك الخصوم والأعداء الداخليين والخارجيين؟

أو كيف يمكن التفاهم مع بعض طالبان وتحديد الظروف وبلورتها التي يمكن أن تجعل من هؤلاء ومن البشتون بشكل عام أعداء للقاعدة أو عنصر ضغط على بعض التطرف «الوطني» لتمييزه عن «القاعدي» عند الطالبان؟ وفي السياق نفسه، كيف يمكن التمييز على الصعيد العملي السياسي بين الطالبان الأفغان وإخوانهم الباكستانيين الذين يهددون في جزء من سياستهم العنفية وأفكارهم التركيبة المجتمعية المعقدة والصعبة في باكستان.

رابعا، السؤال الأشد أرقا وقلقا، كيف يمكن توفير الاستقرار في باكستان التي تتجه ببطء نحو حالة من الأفغنة، رغم اختلاف الظروف؟ وهل يكون الجواب من خلال تعزيز الحكم المدني الضعيف أساسا، على حساب المؤسسة العسكرية وهي الأساسية في محاربة الطالبان أو في التفاهم مع هذه المؤسسة على حساب السلطة المدنية بسبب تأثيرها القوي في مجرى الأمور في أفغانستان؟

خامسا، كيفية التوصل لإقناع باكستان بتعزيز التغيير الذي حصل في سياستها نحو ضبط الوضع الأفغاني واحتواء الطالبان، بعد أن وصلت النار إلى البيت الباكستاني، وكيف يمكن إقناع باكستان بالذهاب إلى الآخر في هذا الأمر وهي التي ترى في المسرح الأفغاني موقع صراع مع الهند ونجاحات هندية في محاولة احتواء باكستان من البوابة الأفغانية؟

وفي السياق ذاته يبدو القلق الهندي متصاعدا من الدخول الصيني الاقتصادي، التجاري والاستثماري الهادئ إلى أفغانستان، فالملف الأفغاني من زاوية القوى الإقليمية هو ملف صراع بامتياز بين هذه القوى، وبالتالي قد يكون العمل على تسوية المسألة الكشميرية هو الوسيلة الأفضل لتحقيق تحول أساسي ومستقر في السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان.

سادسا، طرحت مسألة زيادة القوات في أفغانستان موضوع العلاقات عبر الأطلسي بقوة، وتحديدا التعاون العسكري الأميركي الأوروبي في أفغانستان. فالأوروبيون أبدوا ارتياحهم لسياق السياسة الأميركية الجديدة بعد بوش والقرار الأميركي بالخروج من أفغانستان، لكن القرار الأوروبي، وتحديدا قرار القوى الأوروبية الرئيسية في ظل المعارضة الشديدة في المجتمعات الأوروبية للتورط العسكري في أفغانستان، يعيش حالة ارتباك يؤدي إلى قلق في العلاقات الأوروبية الأميركية.

فواشنطن الأوبامية ترى ان على أوروبا ان تتحمل جزءا من المسؤولية العسكرية، باعتبار ان التهديدات التي مصدرها أفغانستان تطال أوروبا كما تطال الولايات المتحدة، وباعتبار أن واشنطن تعمل على إقفال الملف الأفغاني، مما يفترض أن يخفف من المخاوف ويدفع أوروبا لمساعدة واشنطن في هذا الأمر.

سابعا، يبقى التساؤل قائما حول وجود خطة بديلة إذا ما فشلت السياسة الأميركية الجديدة في أفغانستان، مما يطرح أسئلة حول احتمال حصول مزيد من الغرق الأميركي، أو حول حدوث ارتباك شديد وتراجع يؤدي كما يحذر الكثيرون، ليس إلى انتصار طالبان في أفغانستان فحسب، بل إلى حدوث «طلبنة إقليمية» أو انتشار حالة من عدم الاستقرار على مستويات مختلفة في المنطقة، مما يثير مسألة إعادة النظر في منطلقات المقاربة الأميركية للملف الأفغاني، وضرورة إحداث مقاربة سياسية استراتيجية شاملة، كأن يجري العمل على بلورة تفاهم أو توافق إقليمي دولي واسع، يضم إلى جانب القوى الدولية الكبرى القوى الإقليمية المعنية والمؤثرة في «المسرح الأفغاني».

وهذا ما ينادي به مثلا كل من وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فدرين، وكذلك زميله الألماني يوشكا فيشر، لمحاصرة الحريق من الخارج مما يساهم في إطفائه بشكل أفضل.

دون شك سيبقى الملف الأفغاني الملف المحوري في «الشرق الأوسط الكبير»، حسب التعريف الأميركي الاستراتيجي له، ودون شك سيؤثر في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2012، ولو رأى البعض انه من المبكر الحديث عن ذلك. لكن الانتخابات الرئاسية الأميركية التالية تبدأ دائما في اليوم التالي لوصول رئيس أميركي جديد إلى السلطة، عندما تكون هنالك قضايا دولية تشكل خطرا ضاغطا على المصالح الأميركية، مثلما هي الحالة الأفغانية الباكستانية.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr