طبيعي جداً أن يسود الشعور بالصدمة في إسرائيل، مع صدور قرار الاعتقال من إحدى المحاكم البريطانية، ضد وزيرة الخارجية السابقة زعيمة حزب «كاديما» المعارض تسيبي ليفني، لمحاكمتها على جرائم حرب تم ارتكابها في حرب غزة قبل عام. وإذا كانت ليفني قد أفلتت من الاعتقال.

كما أفلت من قبل رئيس الأركان السابق يعالون الذي بقي داخل طائرته الإسرائيلية في المطار حتى عادت به خوفاً من قرار مماثل، فإن إسرائيل لن تفلت من جرائمها التي ينبغي أن تطاردها على الدوام، حتى لو أسقطناها نحن بالإهمال أو الخطأ أو التنازل عن الحقوق!

تعرف إسرائيل ذلك، وهي التي ما زالت تطارد النازيين حتى الآن على ما ارتكبوه من جرائم قبل سبعين عاماً، رغم أن بعض ممارسات «الضحايا» من يهود إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، لا تقل في بشاعتها عن الممارسات النازية. وتعرف إسرائيل أنها لن تستطيع تحمل وضع لا يستطيع فيه مسؤولوها (وكلهم مطلوبون للمحاكمة على جرائمهم)، أن يتخطوا حدود دولتهم التي ما زالت بلا حدود رسمية!

من هنا كان طبيعياً أن تنتفض الدولة الإسرائيلية بكاملها للتصدي لقرار المحكمة البريطانية، وأن تجند الحكومة كل إمكانياتها لهذه المعركة.. ليس حباً في ليفني زعيمة المعارضة وعميلة الموساد السابقة.. بل خوفاً من أن يمتد سيف العدالة لرقاب الجميع.

ولعل الملاحظة الأساسية هنا هي مدى العنف والوقاحة من جانب إسرائيل في مواجهة ما حدث. فهي لم تكتف بإدانة قرار المحكمة البريطانية، ولا بترديد الأحاديث المكررة عن أنها تواجه «إرهاب» الفلسطينيين دفاعاً عن أمنها وديمقراطيتها.

وإنما وصل الأمر إلى «تهديد» بريطانيا بان مصالحها ستتضرر، وأنها ستفقد أي دور لها في عملية السلام (وكأن هناك عملية سلام بالفعل!)، وبأن «غياب أي تحرك حازم وفوري من جانب بريطانيا لتصحيح ما وقع في حق إسرائيل، سيمس العلاقات بين البلدين».

كما قالت الخارجية الإسرائيلية! والملاحظة الأساسية الثانية هي سرعة التراجع البريطاني الرسمي والاعتذار عما وقع، واعتباره أمراً غير مقبول من الحكومة البريطانية.

والتأكيد على استراتيجية العلاقة بين الدولتين، ثم تأكيد رئيس وزراء بريطانيا غوردون براون بنفسه أن ليفني مرحب بها في أي وقت في بريطانيا، وأنه مصمم على تعديل القانون البريطاني ليحول دون حصول ملاحقات قضائية مماثلة مستقبلاً!

ولعل الأمر هنا لا يتعلق بإسرائيل وحدها، وإنما ببريطانيا وبحلفائها، وبما ألمح إليه الإسرائيليون ـ في حملتهم المضادة ـ بأن تفعيل اختصاص المحاكم البريطانية في محاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم حرب ارتكبوها، سوف يفتح الباب لمحاكمة مسؤولين بريطانيين (وأميركيين بالطبع) خارج بلادهم، على جرائم الحرب التي ارتكبوها في أفغانستان والعراق.. وما أكثرها!

ولا شك أن التراجع البريطاني (وقد سبقه أيضاً تراجع اسبانيا) سوف يتم استغلاله من جانب إسرائيل في التحرك داخل أوروبا، ليس فقط لحث دول الاتحاد الأوروبي على الاقتداء ببريطانيا واسبانيا في تعطيل الالتزام بالشرعية القانونية الدولية ومطاردة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

وإنما أيضاً «لتغيير الوضع الراهن في دول أوروبية والذي يشجع عملياً الإرهاب»، كما قال وزير خارجية إسرائيل التقي الورع (!) ليبرمان، مشيرا إلي القرار الأخير للاتحاد الأوروبي بشأن القدس.

إسرائيل ستضاعف جهودها داخل أوروبا، وخاصة في دول أساسية مثل فرنسا وبريطانيا، ليس فقط لتعديل المواقف الرسمية، ولكن أيضا لمواجهة الوعي الشعبي المتزايد بحجم الجرائم الإسرائيلية.

فإذا كانت إسرائيل قد انزعجت من قرار القضاء البريطاني ضد ليفني، فإنها تأخذ على محمل الجد عدم تصويت بريطانيا ضد «تقرير غولدستون»، ثم دعمها المشروع السويدى للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين..

لكن الأكثر أهمية بالنسبة لها هو نمو المعارضة الشعبية لسياساتها، وقرارات المقاطعة التي تتوالى من جامعات بريطانيا ونقابات عمالها. هذا هو الأخطر بالنسبة لإسرائيل، لأنه يفضح صورتها كدولة احتلال تمارس أبشع صنوف النازية، ويكشف زيف ما روجته من أكاذيب حول أنها «واحة الديمقراطية التي يحاصرها الإرهاب العربي»!

ولعل واقعة ليفني تكشف عن ضراوة الصراع الذي ينبغي أن يخوضه العرب على كافة الجبهات ضد إسرائيل. والمهم الآن أن نراجع خطواتنا وأن نكثف جهودنا، لوقف مسلسل التراجعات الأوروبية وتعديل القوانين لمنع ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

وأن ندرك أنه إذا كان بعض المسؤولين الأوروبيين يخشون هم أيضا من الملاحقة كمجرمي حرب (مثل رئيس وزراء بريطانيا السابق بلير)، فإن شعوب أوروبا هي نفسها أول من يطالب بملاحقتهم، وبالتالي فابتزاز إسرائيل في هذه الناحية لا يجدي، بل لعله يساعدنا في الاقتراب من شعوب أوروبا لنلاحق معاً مجرمي الحرب في كل مكان.

ولعلها الآن فرصة لكي نعيد التذكير بما طالبنا به قبل ذلك، من ضرورة إنشاء مؤسسة عربية مستقلة تتولى توثيق جرائم العدو الإسرائيلي، وفضح مجرمي الحرب ومطاردتهم على جرائمهم التي لا تسقط بالتقادم، وأن نوفر لهذه المؤسسة الدعم المطلوب لكي تؤدي مهمتها. ولعلها أيضاً فرصة لكي نتذكر أن في العالم العربي أيضا قضاء وقانونا وشهداء ينتظرون حساب القتلة مهما طال الزمن!

كاتب مصري

galal.aref@hotmail.com