أصبحت المفردات العربية شائعة ومنتشرة على لسان الدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين. ففي لقاء مع عدد من الصحافيين على هامش «حوار المنامة» الأسبوع الماضي، استخدم مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان مفردة «إن شاءالله»، في معرض حديثه عن العلاقات مع إيران قائلا: «إذا أصبحت لدينا» إن شاء الله «علاقات جيدة مع إيران».

تذكروا أن جورج دبليو بوش وقبل تلقيه حذاء زميلنا منتظر الزيدي، كان قد ختم كلمته القصيرة في مستهل أشهر مؤتمر صحافي له بصحبة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، بالقول «شكرا عزيلا». استبدل «الجيم» بال«عين».. لا يهم، كانت أخطاؤه الإملائية ونطق أسماء المسؤولين الأجانب موضع تندر الكوميديين الأميركيين.

رواج اللغة العربية في واشنطن «دي سي» امتد للباحثين الأميركيين الذين راحوا يتعلمون العربية، بعد أن كان تعلم الروسية هو الموضة في عقود الحرب الباردة. أما لفتات الرئيس باراك أوباما حيال الإسلام والمنطقة عموما، فهي قد تكون دافعا آخر يعبر عن هذا الاستخدام المتكرر والمتزايد للمفردات العربية، على ألسنة الدبلوماسيين الأميركيين.

لا ادري إذا كانوا يفعلون المثل في أفغانستان ويستخدمون مفردات «بشتونية»، لكنني أدرك حتما مثل كثيرين أنهم يحتاجون إلى أكثر من مجاملة الأفغان بلغتهم.. إنهم يحتاجون إلى ما يقرب من المعجزة.

فبعد قراره بإرسال 30 ألف جندي أميركي أضافي إلى أفغانستان، يعود موضوع الوجود الأميركي في هذا البلد إلى صدارة الجدل في الولايات المتحدة والعالم.

بالنسبة لرئيس تحرير الطبعة الدولية لنيوزويك، فريد زكريا، فإن القرار يأتي في سياق تحديد أهداف السياسة الخارجية الأميركية، بعد ما اسماه «الحقبة الامبريالية». وحسب زكريا فإن خطاب الرئيس اوباما عن افغانستان «يتمحور كليا حول التركيز والحد من نطاق المهمة الأميركية في ذلك البلد» (فريد زكريا: الرئاسة بعد الحقبة الامبريالية» ـ نيوزويك 15 ديسمبر 2009).

وحسب زكريا، فإن أوباما «لم يأت على ذكر الأهداف الأوسع، مثل نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والمساهمة في تعليم النساء.. وأوضح أن البلد الذي يرغب في إعادة بنائه هو أميركا».

زكريا لا يندفع في إصدار الأحكام، لكنه يطرح تساؤلا مهما: «لكن أميركا في خضم حرب لا تسير بشكل جيد، والحد من التزاماتها الآن سيبدو وكأنه تقهقر وانسحاب». ويعود للقول هنا إن أوباما وبعد 18 شهرا «سيضطر إلى الإجابة عن السؤال الجوهري: هل أفغانستان المستقرة والحسنة الأداء تستحق وجودا أميركيا ضخما ومستمرا على الأرض، أو هل يمكن تعزيز المصالح الأميركية بكلفة أقل بكثير؟».

هناك من يملك إجابة غارقة في التشاؤم. يعطي مسؤول التخطيط السياسي السابق في الخارجية الأميركية ريتشارد هاس، إجابته حول خطط الرئيس في أفغانستان مباشرة في عنوان مباشر: «بحلول عام 2011 ستكون الولايات المتحدة قد خرجت من العراق، وفي طور الخروج من أفغانستان.. لا تصدقوا ذلك: لا مخرج». (ريتشارد هاس، نيوزويك 15 ديسمبر 2009).

يجادل هاس بان أن التهديد بالانسحاب أو الإعلان عنه نوع من «التهديد الضمني»، لكنه يشك في فائدته قائلا «فقد يرى فيه الرئيس الأفغاني حامد كرزاي خدعة، مستنتجا أن أوباما لن ينسحب مما أطلق عليه قبل شهور «حربا ضرورية»، ومن مصالح وصفها حديثا بأنها حيوية للأمن القومي الأميركي. وعلى الأرجح فإن كرزاي ليس مخطئا».

الأمر نفسه بالنسبة للعراق، حسب هاس الذي يرى أن الانسحاب المقرر من العراق في أغسطس 2010، يهدد «بالانزلاق نحو الفوضى من جديد»، ويقترح إعادة التفاوض حول المعاهدة التي تشترط رحيل القوات الأميركية عام 2011، مستنتجا أن «مجرد الإشارة إلى الرغبة في البقاء قد يردع العراقيين عن تصعيد صراعهم».

ليس جديدا القول بان نجاح السياسة الأميركية الجديدة في أفغانستان أو العراق، يعتمد على النتائج التي يتم إحرازها على الأرض. فيما يخص أفغانستان، لا يكف الكثيرون عن تذكير الأميركيين بان أفغانستان بلد لا يمكن حكمه بقوى خارجية. لقد جرب البريطانيون الأمر في القرن التاسع عشر في ذورة توسع الإمبراطورية البريطانية، كما جرب الروس الأمر أيضا وانسحبوا خلال 10 سنوات، منذ 1979 وحتى 1989.

إذا كانت هناك تجربة يتعين على الأميركيين دراستها، فهي تجربة الاحتلال الروسي لأفغانستان. لقد هزم البريطانيون في معركة وحيدة ولم يحتلوا أفغانستان بعدها، لكن الروس احتلوا البلد لمدة 10 سنوات وخاضوا حربا مريرة ضد الأفغان، كانت احد أسباب استنزاف الاتحاد السوفيتي السابق.

يتخلف الأميركيون عن الروس في أمر مهم، فقرار الانسحاب بالنسبة للروس كان أمرا ضمن السلطة المطلقة للقيادة السوفيتية (وقتذاك)، في حين أن قرارا كهذا بالنسبة للولايات المتحدة ليس في يد البيت الأبيض وحده.

مشكلة الوجود الأميركي في أفغانستان والعراق أيضا، انه مؤقت من منظور استراتيجي، والوجود العسكري الدائم في كلا البلدين أمر مستبعد تماما، ليس لأسباب أخلاقية، بل لأسباب محض سياسية.

أعداء أميركا في كلا البلدين يعرفون ذلك تماما، لذا فإن الرهان سيبقى دوما على النجاحات التي يمكن أن تحققها الحكومات المحلية في كلا البلدين، في تثبيت السيادة ومقومات حكم ناجح يمكن أن يشكل إجماعا شعبيا.

الحرب الجارية في كلا البلدين هي لمنع هذه النجاحات. حتى الآن، لا شيء يلوح في الأفق بأن هذا أمر ممكن في أفغانستان في المدى القصير. الأمر قد يكون مختلفا قليلا في العراق، لكن الالتفاف الشعبي حول الحكومات المحلية (في أفغانستان والعراق) ما زال يتطلب وقتا أطول مما تفرضه التزامات الانسحاب في كلا البلدين (2010 ـ 2011).. يحتاج الأمر لمعجزة.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh