يحتفل العالم بعد أيام بالذكرى الواحدة والستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ولا بد من وقفة لتقييم الممارسات بهذا الشأن طوال عشرات السنين، فما هي قصة هذا الإعلان وتطبيقاته؟

لقد أدت الظروف التي نتجت عن الحرب العالمية الثانية إلى صدور هذا الإعلان، ويعد خطوة إنسانية خطتها الأمم المتحدة التي كانت تتكون حينها أساساً من الدول المتقدمة.

والمتابع لتطور الأحداث التاريخية منذ صدور ذلك الإعلان، يجد أن انتهاكات شتى لحقوق الإنسان قد حدثت في العالم على يد الدول التي أصدرت ذلك الإعلان قبل غيرها، وقبل ذكر بعض الأمثلة على تلك الممارسات، نقف عند مصطلح حقوق الإنسان. فماذا تعني حقوق الإنسان؟ وما هي؟ ولماذا صدر ذلك الإعلان؟ وكيف كان تطبيقه في أنحاء العالم خلال ستة عقود مضت؟ محاولتنا الإجابة عن هذا السؤال، إنما هي اجتهاد ليس إلا.

وعندما تقدم الأمم المتحدة بعد نشأتها على إصدار إعلان حقوق الإنسان، فذلك يعني أن هناك ما يستوجب صدوره من انتهاكات لهذه الحقوق. لكن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين أصدروا ذلك الإعلان، هم أول من انتهك حقوق الإنسان.

ففي أول امتحان لواضعي ذلك الإعلان، أقدمت الحركة الصهيونية، وبمساعدة دول غربية أساسية في الأمم المتحدة موقعة على إعلان حقوق الإنسان، على خوض حرب مع العرب عام 1948 واغتصاب فلسطين، وارتكاب جرائم بشعة ضد الشعب الفلسطيني! وبدأ وأد حقوق الإنسان منذ إعلانها، وحتى يومنا هذا.

يتحدث معظم دول العالم وحكوماتها في أدبياتها وقوانينها عن حقوق الإنسان، في الوقت الذي تنتهك تلك الحقوق في تلك الدول! فهل هي لا تعلم ما هي حقوق الإنسان، أم أن لها مفهوماً مغايراً لما تعارف عليه الناس في عصرنا وتقف حائرة؟ أم أن دولا متقدمة تدعي أنها متحضرة وتمارس قمعاً وتعذيباً وحرماناً لحقوق الإنسان في بلدانها وفي دول أخرى من أجل مصالح سياسية أو اقتصادية أو غيرها؟! ألا يعتبر التمييز العنصري ضد حقوق الإنسان؟ ألا تعتبر ممارسات الأنظمة الدكتاتورية القمعية ضد حقوق الإنسان؟

ألا يكون الوقوف مع الظلم وعدم الاهتمام بمقتل عشرات الآلاف على أيدي أنظمة قمعية في حروب أهلية أو خارجية، بسلاح ومال وتشجيع ودعم أطراف من دول متقدمة تدعي وقوفها مع حقوق الإنسان، ضد حقوق الإنسان رغم أنف إعلان حقوق الإنسان؟

إن الديانات والقوانين قد حرصت على حقوق الإنسان منذ قانون حمورابي، فلماذا لم يحصل الإنسان على حقوقه الأساسية؟ لقد نادت الديانات بحقوق الإنسان، ولكن باسم الدين انتهكت حقوق الإنسان في كثير من دول العالم عبر قرون حتى اليوم. وعاش ويعيش الإنسان تناقضات عجيبة في ما يتعلق بحقوق الإنسان معها وضدها في آن، فالقوانين في عالمنا تنص على التأكيد على حقوق الإنسان، لكن الممارسة الواقعية ضد تلك الحقوق، وأحياناً ليس في الممارسة فحسب وإنما في القوانين نفسها. فكيف يمكن أن تبرر تلك الدول أو الجماعات ذلك؟ وكيف ولماذا تستمر تلك الحالة في ظل تطور البشرية وتقدمها عبر العصور؟!

كنت أقرأ قبل فترة وجيزة قصة مناضلين اثنين، لعبا دوراً في بلديهما ضد الاستعمار والأنظمة القمعية في الستينات من القرن العشرين، هما: لومومبا الزعيم الكونغولي المعروف، والمهدي بن بركة الزعيم المغربي المعروف.

إن قصة استشهادهما كانت رهيبة، فالأول اعتقل على يد المخابرات البلجيكية، وعذب ثم أذيبت جثته في الأسيد، والثاني عذب صلباً حتى الموت على يد المخابرات الفرنسية ومخابرات دولته. المهم هنا أن دولتين متقدمتين متحضرتين مارستا أساليب التعذيب ضد المناضلين حتى الموت، في بلدين على رأس الدول التي ساهمت في قوانين حقوق الإنسان! هذان مثلان عدا الآلاف والملايين الآخرين الذين تمت إبادتهم بوسائل وأساليب غير إنسانية.

نحن في عصر تلعب فيه مؤسسات المجتمع المدني دوراً مهماً وأساسياً مرادفاً لدور مؤسسات الدولة، وهي فرصة تاريخية أن يكون لمثل هذه المؤسسات ذلك الدور الذي يجب أن يستغل لبناء وتثبيت قيم ومبادئ أساسية مثل حقوق الإنسان فحقوق الإنسان الأساسية والحفاظ عليها والدفاع عنها، أساس تقدم المجتمعات.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com