من يشاهد فيلم «بدرس» الذي عرضه مهرجان السينما الدولي في دبي، سيعرف أن محمود درويش ليس سوى كومبارس في قصيدة المقاومة الفلسطينية، وهذا ليس إقلالا من قيمة درويش الشعرية، بقدر ما هو سمو بالقصيدة التي يكتبها الفلسطينيون تحت نير الاحتلال في الداخل، أمثال عايد مزار وابنته التزام وبقيه أهالي «بدرس».
بدرس قرية في الضفة الغربية تتعرض لتهديد الإزالة بسبب الجدار الذي يعده الإسرائيليون ضرورة لأمنهم، ولكي يمر هذا الجدار لا بد أن تقتلع أشجار الزيتون التي يقول عايد إن كل شجرة في بساتينهم لها اسم أمهاتهم.
عايد بعد أن أمضى ست سنين بين مطارد ومسجون عاجزا عن فعل شيء، قرر أن يجد صيغة للمقاومة دون أن يستطيع جيش الاحتلال أن يدينه، لهذا صاغ أفكاره بمنتهي البساطة «أنا لست ضد أحد، أنا ضد جيش الاحتلال الذي يريد أن يقتلع أشجاري وداري»، فقرر الجميع أن يقف معه.
وقف أهالي بدرس من الذكور أمام الخرافات ليغنوا أغاني المقاومة، ونداء الله اكبر. ابنته المراهقة «التزام» اقترحت أن تنضم النساء للمظاهرات، وطالما أن المقاومة سلمية وترفض حتى أن تحمل حجرا واحدا، فإن الجميع يستطيع أن يشارك فيها. وهكذا تصبح المظاهرة اكبر وأقوى، وما فعلته النساء من التقدم نحو خطوط الجنود وحدود الجرافه، كان أعمق مما فعله الرجال.
المظاهرة لم تحمل سوى التصفيق وأغاني النصر والصبر وطول البال، الفلسطيني، مما دوخ الجنود حتى صار أحدهم يرقص برأسه على الإيقاع، فماذا يفعل لشعب لا يملك جرما سوى أنه يغني ويقف أمام الجرافة؟
سمع الكثيرون عن هذه المظاهرة السلمية، وأنها مظاهرة من أجل حياة أشجار الزيتون، فجاءوا ليقفوا معها. جاء بعض الإسرائيليين، ووقفوا في صفوف عايد، صفوا معهم أمام الجرافات، هددهم الجنود بالحبس بتهمة الوقوف في صف العدو، لكنهم ناشدوا الجنود بالكف عن جرف بساتين الفلسطينيين وأشجارهم.
جاءهم وفد من جنوب إفريقيا وتحدثوا معه، قالت لهم السيدة البيضاء: إنكم تعيشون ما عشناه من قبل حين كانت جنوب إفريقيا محتلة، وهو ضرورة تحديد من هو العدو، نحن في جنوب إفريقيا عشنا هذه التجربة واكتشفنا أنه لا البيض ولا السود هم الأعداء، بل جيوش الاحتلال.
الفيلم يطرح أسئلة هائلة على العقل الإنساني الحر، وأقول الحر فقط الذي لم يشوهه التحزب والعنصرية ونظريات المؤامرة، للاستماع لدروس تجربه عايد التي نجحت. يقول عايد إنه لم يختر المقاومة السلمية لأنهم أكثر شعوب الله كرها للعنف، لكن لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تنفع.
وفعلا بعد خمس وخمسين مظاهرة دون خسائر في الأرواح، اضطر الجدار الإسرائيلي أن ينحرف عن بدرس. جاءت مؤسسة «جست فيجن» الشركة غير الربحية وطاقم الفيلم، فصورت المظاهرات فيلما وثائقيا، ودخلت به في مسابقة مهرجان دبي الدولي، وشاهده الناس.
بدرس لم تفز فقط بنجاتها من الجدار وسلامة 95% من أشجار الزيتون، بل فازت بالحياة في عقول كل من سيشاهدها، وتعلمت درسا ناجحا في الصبر والإرادة، لأن «عايد مرار» لم يكتف بأنه حرر بدرس من الجدار، بل نراه في آخر الفيلم، يخبرنا أنه متجه إلى قرية «نعلين» التي تواجه بعد بدرس قرار الإزالة والجدار.
ذهب عايد ليعلم نعلين دروس بدرس، وأن من يطيق المقاومة السلمية هم الأبطال والأحرار، مثل عايدة والتزام التي تدرس الطب اليوم، كما أن المقاومة التي تتشكل وتغير آلياتها أصبحت تحير الجيش الإسرائيلي، الذي أصبح عاجزا أمام هذه المقاومة، والتي لا شك أن نجاحها يمنح أهلها وأهل القضايا الأخرى الأمل بأن فلسطين ستكون يوما مثل جنوب إفريقيا، وأن الزمن مهما طال بالاحتلال فلا بد أن يستسلم.
لكن السؤال: لماذا أهمل إعلامنا العربي قصه بدرس وأمثال هذه المقاومة؟ ولماذا اتجهت الكاميرات كلها إلى جنين حين حاصر الجيش الإسرائيلي الرئيس عرفات، بينما تترك الكاميرات بدرس حيث تخندق البسطاء الذين دافعوا عن أشجار الزيتون؟ مع أن حوليا باشا مخرجة الفيلم، تؤكد أن «المقاومة لولا أنها سلمية لما استطعنا تصويرها». ليست المسألة سهلة بالتأكيد، لكنها أسهل من التواجد في مقاومة مليئة بالقنابل والقصف.
كان مشهدا مؤثرا حين قبض الجندي الاسرائيلي علي «كوبي»، الشاب الإسرائيلي المناهض للاحتلال والذي وقف مع قرية بدرس في مقاومتها السلمية، فقد هجم النساء على الجنود وأخذن يضربنهم ويطلبن منهم أن يتركوا كوبي.
لقد وقف الإسرائيلي والفلسطيني في جانب واحد، متساويان يجمعها الحق الواحد في العيش بسلام، لكن الاحتلال لم يساو بينهما، فقد سجن «كوبي» عشرين يوما لانضمامه لصفوف الأعداء، بينما سجن عايد ستة أشهر، لأنه دافع عن أرضه.
هذا الفيلم حصل على موافقة الكثير من المتنافرين والمتآلفين، بمن فيهم أقطاب التناحر السياسي.
وعايد الذي لم يكن حليفا لجبهة حماس ولا لفتح، بل للأرض الفلسطينية، قال كلاما مؤلما لكنه واقعي، حين سألوه عن السلطة وتم قطع الصوت، فقال وعلى وجهه علامات الخيبة: «المشكلة أنك تؤمن بأهميتهم، لكنهم لا يؤمنون بأهميتك»!
هل تظن يا عايد أن هذا هو لب المشكلة؟ يا له من لب مغموس في المرار!
كاتبة سعودية