كوكب الأرض بما عليه من حياة إنسانية، بات يواجه الخطر، بل الأخطار الجسيمة التي لا إصلاح لها إذا وقعت ـ لا قدر الله ـ ما لم يستطع قادة العالم هذه الأيام حل المعادلة الصعبة التي تفرض نفسها الآن على العلماء والساسة في عالمنا، بين ضرورة استمرار زيادة معدلات التنمية العالمية وضرورة وضع ضوابط الأمان الكافية لحماية البيئة الكونية.
فالتغير المناخي وزيادة انبعاث حرارة الأرض، بسبب زيادة انبعاثات الكربون الناتجة عن زيادة الأدخنة المنبعثة من أبراج الاحتراق في مصانع الدول الصناعية الكبرى، سعيا لزيادة معدلات التنمية الاقتصادية، بات يهدد كوكب الأرض والبشرية كلها بزيادة الآثار السلبية المدمرة للحياة، وصولا إلى الكارثة البيئية التي ستدمر الازدهار والأمن الحيوي والأمان الإنساني.
ومع اقتراب اختتام قمة العالم لمواجهة أخطار التغير المناخي اجتماعاتها في كوبنهاغن هذا الأسبوع، تتصاعد أصوات أجراس الإنذار التحذيرية من الأوساط العلمية والبيئية العالمية لساسة العالم المؤتمرين في تلك القمة الفاصلة، باسم المائة والاثنتين والتسعين دولة الأعضاء في الأمم المتحدة، من ألا يخرج المؤتمر الأخطر أثراً على مستقبل كوكب الأرض وعلى البشرية كلها، باتفاقية جادة وفاعلة وعادلة بين الدول الصناعية الغنية ذات المسؤولية الأكبر عما أصاب المناخ العالمي بالاضطراب، والدول النامية والفقيرة الأكثر عرضة لدفع الفاتورة الباهظة لعدم ضبط حرارة كوكب الأرض.
فقد شهدت السنوات العشر الأخير زيادة مطردة في انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، التي تزيد ارتفاع درجة حرارة الأرض في الدول العشر الصناعية الأكبر في العالم وحدها، بما يزيد عن نصف ما يصدر من بقية دول العالم. وتأتي في مقدمة الدول المسؤولة عما يواجهه كوكب الأرض من أخطار، الولايات المتحدة الأميركية تليها الصين والهند والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي.
ومنذ اتفاقية كيوتو لضبط المناخ العالمي الموقعة دوليا عام 1997، والتي رفضت الولايات المتحدة التوقيع عليها تهربا من الالتزام بها، وانبعاثات الكربون في تزايد مستمر، وتراجع الجليد الذي يغطي القطب الشمالي مستمر بشدة خلال عامي 2008 و2007، وكان العقد الماضي هو الأكثر ارتفاعا للحرارة خلال القرن ونصف القرن الماضيين.
ورغم ما شهده العالم خلال التاريخ الإنساني كله من صراعات وانقسامات وحروب بين الشمال والشمال، وبين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، فلم يجد العالم كله نفسه يواجه المصير ذاته في ذات الخندق، مجبرا على التعاون والتكامل والتوحد في مواجهة الخطر، بل الأخطار التي تهدد كل سكان الأرض، ولن تستثني أحدا لأنه يملك القوة النووية أو المال الوفير.
ذلك الخطر العابر للقارات والأجناس والألوان، وغير المفرق بين أتباع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات، يؤكد وحدة العالم رغم اختلافاته وصراعاته، ووحدة المصير الإنساني، وأخوة الجنس البشري الذي يركب نفس السفينة في مواجهة كل العواصف العاتية، ويقاوم محاولات الأقوياء خرق السفينة بسياساتهم الخرقاء وأطماعهم الرعناء، المعادية لسلامة الإنسانية والمجافية للأخلاق.
وفي خطوة لتوحيد صفوف العالم لدعم نتائج حقيقية في مؤتمر كوبنهاغن للمناخ، وزعت صحيفة غارديان البريطانية افتتاحيتها على 56 صحيفة في 45 دولة بمختلف أنحاء العالم، كي تنشر مع افتتاح المؤتمر. فيما يثير الاستغراب غيابُ اهتمام الإعلام العربي بمسألة من أخطر المسائل العالمية، والتي يتأثر بها حتما العالم العربي بقدر ما يؤثر فيها.
بينما تنشغل بعض الوسائل الإعلامية بتحويل اهتمامات الجماهير عن قضاياها ومشاكلها الحقيقية، والتي تحتاج إلى متابعة شؤون تنمية الحياة وأبحاث العلماء ورؤى المفكرين وخطط الساسة لحل هذه القضايا، إلى قضايا فرعية أو جزئية وتعبئتها وشحنها حول مسائل هامشية أحيانا، وأحيانا تافهة كالاستغراق في متابعة شؤون الممثلين والمطربين ولاعبي الكرة!
كاتب مصري