لحظات الحقائق قابلة للتراكم وهي تأتي بلا ترتيب مسبق، بل هو الترامي إلى نقطة الوضوح وعلنية المشهد بلا رتوش تستوجب الإخفاء.. الضحية تتلوى، والجزار يغسل سكينه، والشهود يواصلون إهالة الزور على أي مسرب يحاول النفاذ إلى إدانة الإرهابي القاتل.

هذه النظرية المؤقتة عبرت عنها المملكة المتحدة بتجل واضح في تعاملها مع الصهيونية تسيبي ليفني. فبعد سويعات فقط من إصدار محكمة بريطانية مذكرة اعتقال ضد رئيسة حزب كاديما ووزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة بشبهة ضلوعها في تنفيذ جرائم حرب في عدوان «الرصاص المصبوب» على قطاع غزة، تداعى رجالات الحكم في لندن إلى استرضاء ردة فعل تل ابيب، وكيف لا ووعد بلفور خرج من هذه الأوكار في غفلة التاريخ، لكننا قوم جبلنا على النسيان وإحسان الظن حتى في من أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق.

وضوح الحقائق الذي أتحدث عنه يأتي جليا في هذا الانسلاخ من حكم قضائي في ديمقراطيات تاريخية تدعي أنها دول القانون وحقوق الإنسان وفصل السلطات، وهذا التراكض العلني له عميق الآثار في المراهنة على المواقف الغربية عموما تجاه القضية الفلسطينية، بل هو تأكيد المتأكد عندما يأتي الحدث العابر ليذكر بالحقيقة المتأصلة.

رئيس وزراء الإمبراطورية ـ التي لم تغب عنها الشمس في حين من الوقت ـ يعلن تبرؤه من قرار صادر من إحدى مؤسسات بلاده، بل لقد سارع رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون واتصل هاتفيا بالإرهابية تسيبي لفيني، وعبر عن معارضته المطلقة لمذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة البريطانية، وأظهر براون انتماءه المطلق للتكبر الإسرائيلي، صارخا بكل قوة ياليفني.. أنت شخصية مرغوب بها في بريطانيا في أي وقت، وإننا سنعمل بسرعة من أجل تعديل الوضع القانوني الذي يسمح بمحاكمة متهمين بتنفيذ جرائم حرب.

هذا الموقف البريطاني نزفه بعزاء لأولئك النفر الذين يرددون في كل حين إعجابهم بالنظام الغربي وبديمقراطيته التي تحترم حقوق الإنسان، وهنا الصورة أشبه بتلقيم حجر للأفواه العربية التي تعودت التشدق لحظة المراهنة على أوروبا، فلا يمكن التعامل بسطحية مع هذا التصرف المتهاوي للحكومة البريطانية وحصره في جانبه السياسي والدبلوماسي.

خاصة اذا وضعنا بعين الاعتبار البيئة القانونية التي وعدت إدارة براون بتغييرها من أجل سواد عيون تسيبي، ضاربة بذلك عرض الحائط مؤسسات حقوق الانسان التي رفعت القضية بما فيها طيف المساندين للمحاكمة من شرائح المجتمع البريطاني.

ولا عزاء لقتلى غزة.. اذا ما توافق القاتل والشهود على شرب دماء الضحية في قاعة المحكمة.

al_khabar@hotmail.com