علقت الصحف الكويتية على تعليق جلسة مجلس الأمة الكويتي يوم الخميس الماضي (10 ديسمبر) والمخصصة لمناقشة القانون المقدم للمجلس حول الحقوق المدنية لجماعة البدون في المجتمع الكويتي، بالقول «لم يكتب النجاح للجلسة الخاصة بمناقشة الحقوق المدنية والاجتماعية للبدون.
فقد النصاب بعد أن حضر أربعة وزراء من الحكومة و26 نائباً (من الخمسين نائبا في المجلس). وعلى أثر دلك خرج عدد من النواب على وسائل الإعلام متهمين زملاء لهم في المجلس، ممن اعتبروا متواطئين مع الحكومة في إفشال الجلسة (جريدة «أوان» الكويتية ـ 20091211).
ومشكلة البدون ليست خاصة بالمجتمع الكويتي، ولو أن الحديث حولها في الكويت قبل الغزو وبعده قد أخذ حيزا أكبر وأبعادا سياسية أوسع. وهي مشكلة تتمثل في حجب حقوق اجتماعية أساسية عن فئة من المجتمع، قد عاشت فيه فترة تتجاوز في بعضها السبعة عقود. وقد تشمل القضية عائلات برمتها عاشت لأكثر من ثلاثة أجيال في المنطقة، وحجبت مع ذلك عنها حقوق المواطنة.
وهي قضية لا يمكن لها أن تُحل دون توافر إرادة مجتمعية نابعة من داخل المجتمع، أي لا بد أن تكون هناك قوى اجتماعية وتنظيمات سياسية وقوى مدنية تتمثل في منظمات المجتمع المدني، ترى أن لهذه الفئة كما الفئات الأخرى حقوقا مدنية واجتماعية لا بد أن تتمتع بها كسائر الجماعات، وأنها وبفعل مدد بقائها، لها حقوق في الانتماء لهذه المجتمعات.
إلا أن كل ذلك لا يمكن أن يكون إلا بتوافر إرادة سياسية أيضا، تأتي من أعلى هرم السلطة في الدولة ومن هيئاتها التشريعية المنتخبة، تتجاوب مع هذا الرأي وتدعم تحقيقه. أي أن لا يشعر المجتمع أن نيل هؤلاء حقوقهم المواطنية سيكون على حساب بقية فئات المجتمع، وأن تمتعهم بهذه الحقوق لن يكون عامل تهديد لسلامة النظام السياسي القائم.
وأعتقد أن البحرين قد استطاعت بفعل توافر وتكامل الرغبة المجتمعية والإرادة السياسية، أن تطوي المشكلة وتتجاوز تبعاتها الاجتماعية وأن تحل معضلها الإنساني، إلا من بعض الحالات الفردية التي لا يمكن فيها الحديث عن ظاهرة كما هي في عموم الأقطار الخليجية الأخرى.
ويأتي هؤلاء لمجتمعات الخليج من مجتمعات الطرد السكاني من الإطار الإقليمي العربي والأجنبي؛ فهم يأتون من أقاليم شمال الجزيرة العربية ومن أقاليمها الجنوبية، كما أن بعضهم قد جاء من بلاد الهند الطبيعية وما جاورها من أقطار ومن بلاد فارس الساحل والداخل.
وهم في ذلك يمثلون إثنيات قومية ودينية، ولربما عرقية مختلفة. وبعضهم قد حط الرحال في المنطقة قبل أن تأخذ هذه المجتمعات بنظام الجنسية والجوازات، والذي أدخلته السلطات البريطانية في بعض دول المنطقة مند ثلاثينات القرن العشرين، وتأخر في بعضها حتى خمسينات القرن. وهي فئة قد ضمت في بعضها جماعات جاءت من بعض مجتمعات المنطقة، وكان انتقالها إما بفعل عامل سياسي أو آخر اقتصادي.
وقد مثل بعضهم الجيل الثالث وربما الرابع من المهاجرين لهذه المنطقة، وهم بفعل عامل طول البقاء والقرابة والانتماء القومي او العرقي، يرتبطون بالكثير من العائلات المحلية بعلاقات نسب ومصاهرة.
وقد فقد الكثير منهم صلته بالمجتمعات التي قدموا منها، رغم أن بعضهم قد يحملون أسماء قراهم ومناطقهم التي جاءوا منها، سواء أكان ذلك في الهند الطبيعية أو بلاد فارس. وهي فئة قد ينخفض حجمها لبضعة آلاف أو أدنى من ذلك بكثير أو قليل في بعض أقطار المنطقة، بفعل سياسات الإدماج التي في إطارها حصلوا على حقوقهم المواطنة، وقد ترتفع أعدادهم لعشرات الآلاف في بعض مجتمعات الخليج الأخرى.
وقد جاء تعبير «البدون» لا ليعبر عن عدم انتمائه تلك الفئة للدولة التي تقطن فيها فحسب، وإنما جاء ليعكس واقعا اجتماعيا ومدنيا تعيشه هده الفئة، ويتسم في أحد أشكاله بكونها فئة تعيش دون الحقوق المدنية والاجتماعية القائمة للكثير من الفئات العمالية المهاجرة.
فهي فئة أو جماعة لا يعترف بها ضمن أي من الفئات المسجلة في الدولة. أي أنها في ذلك لا تدخل ضمن فئة المواطنين، كما أنها لا توجد ضمن سجلات الفئات الأخرى من الجماعات العمالية المهاجرة المحددة من حيث المنشأ.
وهي فئة محرومة في بعضها من أي سجل شخصي، حيث لا يحق لبعضهم الحصول على شهادة الميلاد من الدول التي ولدوا فيها، كما أنها فئة لا تتمتع بأي حقوق اجتماعية كالتعليم والتطبيب والإسكان وغيرها كما، وتمارس ضد بعضها، بشكل غير رسمي، سياسة التمييز في التوظيف والأجر.
وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى أن يمنع عنها حق الحصول على إجازة سياقة السيارة أو حق التملك، ولربما استخراج حساب بنكي أو الحصول على قرض بنكي... إلخ.
وخلاصة القول أن لا بد من أن تكون هناك ساسة واضحة قائمة تقوم على أعطاء هذه الفئة حقوقا مواطنية قائمة على مبدأ مدد الإقامة والخدمة المدنية. فليس من المعقول أن يكون فيما بيننا من أقام في هذه المنطقة لأكثر من سبعين عاما أو يزيد قليلا أو كثيرا وأن تشكل شبكة علاقاته الاجتماعية مفصلا رئيسيا في بنائنا المجتمعي وبالمقابل أن يحرم هو وذريته من حق الانتماء لهذه المنطقة.
كما ليس من المنطق أن يحجب عن أبناء المواطنات المتزوجات من رجال من فئة البدون حق التمتع بجنسية الأم في حين يتمتع أبناء المواطن المتزوج من فئة البدون بهذا الحق. أنه معضل اجتماعي إنساني لا بد له من مخرج يحفظ لهذه الفئة حقوقها ويساهم في اندماجها المجتمعي.
كاتب بحريني