أثارت نتائج استفتاء الشعب السويسري حول حظر بناء المآذن، كلاما ونقاشا كبيرين وأسالت العديد من الأحبار في الصحف والمجلات العالمية وفي مختلف وسائل الإعلام. ماذا يعني أن ننظم استفتاء حول معتقد يخص الحرية الدينية للفرد؟ وأين المشكل في وجود مآذن؟

وهل الطراز المعماري أصبح يزعج الإنسان فوق الأرض؟ الموضوع بكل بساطة أصبح يعني الخوف والاستنكار ومحاولة التخلص من أي شيء له علاقة بالإسلام. فالاستفتاء حول المآذن مخالف للقانون الدولي وللدستور السويسري، ولحرية الديانات والتسامح التي تتميز بها سويسرا، والنخبة السياسية المثقفة في سويسرا وقفت ضده. لكن الاستفتاء برمته كشف الوجه الآخر للديمقراطية، وهو استبداد وطغيان وظلم الأغلبية.

فرأي الأغلبية لا يعني بالضرورة أنه منطقي وصحيح وصائب. ففي بعض الأحيان لا تكون الأغلبية على صواب، وهذا ما حدث في الاستفتاء الأخير في سويسرا الذي وصفه البعض باستفتاء العار.

مشكلة الإساءة للإسلام والمسلمين والعرب، ليست وليدة البارحة ولا تعود للرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحف في الدانمرك والنرويج ودول أوروبية أخرى، ولا لكتابات بعض المثقفين والصحافيين الغربيين أو أفلام هوليود ومختلف الصناعات الثقافية والإعلامية الغربية، بل المشكلة لها جذور في التاريخ.

فهناك أفلام ومقالات وكتابات وقصص عديدة، وحتى كتب مدرسية في بعض الدول الغربية، شوّهت الدين الحنيف وأساءت للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. هوليود لها (مسلسل) وتاريخ طويل مع تشويه صورة المسلم والعربي والإسلام، فغالبا ما تُقدم هذه الصورة في شخص الماكر والمجرم وزير النساء.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي جاءت ظاهرة الإسلاموفوبيا لتجعل من الإسلام العدو الأكبر للغرب، والخطر الدائم على أمنه وسلامته واستقراره وديمقراطيته وحريته.

منظمو الاستفتاء في سويسرا يؤكدون على حرية التعبير وقدسيتها وضرورة عدم المساس بها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل باسم حرية التعبير نسمح لأنفسنا أن نسيء إلى الآخرين ومعتقداتهم ورموزهم الدينية؟

وهل تعني حرية التعبير عدم الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الآخر وثقافته ودينه؟ وهل باسم حرية التعبير نفرض قيمنا وأفكارنا على الآخر؟ وهل باسم حرية التعبير نقصي ثقافة الآخر وعاداته وتقاليده ونفرض عليه قيمنا ونظرتنا؟ وأي حرية هذه التي تسيء إلى الآخر وإلى دينه ومعتقداته؟

الغرب ما زال ينظر للآخر على أنه متخلف وجاهل ولا يملك مقومات النجاح والتفوق، وما زالت مشاعر الاستعلاء والاحتقار والازدراء مسيطرة على وجدان العديد من صانعي الرأي العام والنخب المثقفة والشعوب في الشمال. ما الفائدة من حوار الحضارات وحوار الثقافات والأديان في غياب احترام خصوصية الآخر، ومع فرض قيم معينة ومعايير محددة قد تصلح لثقافة ولا تصلح لثقافة أخرى؟

فمنطق حرية الفكر وحرية التعبير والصحافة، لا تسمح بالإساءة للآخر ولا بالتجريح والتشويه والتضليل والاستهزاء بالرموز المقدسة ومعتقدات وديانات الشعوب. المشكلة هذه المرة جاءت من بلد يقدس الحياد واحترام الآخر، بلد تتعدد فيه الأجناس والأقليات والديانات واللغات.

عندما صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بأن الهولوكوست أكذوبة وفبركة صهيونية، شنت وسائل الإعلام والحكومات الغربية حربا شعواء عليه ووصفته بكل النعوت والصفات السلبية. المفارقة هنا هي لماذا لا يعتبر المنطق الغربي تصريحات الرئيس الإيراني حقا من حقوقه في حرية الرأي والتعبير؟

وإذا انطلقنا من مبدأ حرية التعبير الذي يتغنى به السويسريون وغيرهم من المنظرين وفلاسفة الغرب، فأين كانوا وأين كان هذا المبدأ عندما تمت محاكمة الكاتب الفرنسي المسلم رجاء غارودي لأنه كتب كتابا كشف فيه الأساطير المؤسسة لإسرائيل والأكاذيب حول المحرقة ـ الهولوكوست ـ بالأدلة الدامغة والأرقام والحجج والبراهين؟

وأين كان مبدأ حرية التعبير في أرض (الحرية والمساواة والأخوة)، عندما تم طرد طالبتين مغربيتين من ثانوية في فرنسا بسبب لباسهما الإسلامي المحتشم؟ ومن منا لا يتذكر قضية سلمان رشدي وآياته الشيطانية؟ ومن منا لا يتذكر قضية الكاتبة البنغالية تسليمه نسرين؟

إن آليات الإساءة للإسلام وإلى الرموز والمقدسات الدينية باسم حرية التعبير وحرية الصحافة، والكيل بمكيالين والتلاعب بالمصطلحات والكلمات من أجل فرض صور نمطية للتشويه والتضليل والفبركة والتلاعب.. تعتبر من الطرق والسبل التي تستعملها الآلة الإعلامية الغربية والصهيونية، منذ زمن طويل، من خلال مخرجات ومنتجات الصناعات الإعلامية والثقافية العملاقة التي تنتشر في جميع أنحاء المعمورة.

استفتاء المآذن في سويسرا اختراق صارخ للتسامح والتعايش السلمي بين الثقافات والحضارات. وخطورة الأمر تكمن في أن الاختراق جاء هذه المرة، من دولة توصف بالحياد والتسامح والتعايش السلمي بين الثقافات والحضارات والديانات والأعراق والأجناس.

أحسن وأنجع طريقة لمواجهة التضليل والتشويه والإساءات للإسلام والمسلمين وانتشار داء الإسلاموفوبيا، هي التعريف بالإسلام ونبي الرحمة لدى المسلمين وغير المسلمين، وذلك بمختلف اللغات.

الإسلام هو دين الحوار والتسامح ودين العلم والعقل والمنطق. الإسلام دين يرفض الإرهاب ويقاوم الظلم والعدوان بكل أشكاله وصوره. والهدف من الإساءات والتضليل والتشويه، هو تأليب الشعوب الأوروبية على الوجود الإسلامي المتنامي داخلها، وعلى استمرار العدوان على أرض المسلمين.

المواقف السلبية ضد الإسلام والمسلمين لا يجب أن تواجه بالصمت ولا بالحرق والقتل والتخريب وغيرها من السبل التي تخالف الشريعة والعقل والقيم والمبادئ الإنسانية، وهذا ما يبحث عنه أعداء الإسلام والمسيئون إليه.

الإساءة للإسلام وتقديمه للعالم على أساس أنه خطر ودين التخلف والعنف والقتل واستئصال الآخر، يجب أن تُواجه بالحوار والنقاش والشرح والتفسير والإيضاح، وبإيصال رسالة الإسلام الحقيقية إلى الذين يجهلون الكثير عن هذا الدين العظيم وعن المصطفى خاتم الأنبياء.

والواقع أن المسؤول عن هذا الجهل برسول الإسلام وبالإسلام، هم المسلمون الذين أخفقوا وفشلوا في محاورة الآخر وإبصاره بحقيقة الإسلام وبعبقرية محمد صلى الله عليه وسلم. فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة، ويحاوروا العقلاء في الغرب من أجل تطهير عقول أولئك المغلوبين على أمرهم في الدول الغربية وتخليصها من التلوث الإعلامي والفكري وسموم الدعاية والحرب النفسية؟

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae