وسط جمع دولي عالي المستوى، نهض رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وصرخ في وجه الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قائلا: «أنتم تعرفون كيف تقتلون الناس».
كان صراخ أردوغان على خلفية الهجوم الوحشي الذي شنته إسرائيل قبل نحو عام على أهل قطاع غزة.
حتى قبل عقد زمني واحد، لم يكن متصورا أن تصدر إساءة جارحة وعلنية من مسؤول تركي ضد مسؤول إسرائيلي. فقد كانت تركيا الحلف الاستراتيجي الأول لإسرائيل من بين كافة الدول الإسلامية.
الآن أخذت هذه الوشيجة الاستراتيجية في الانهيار بإيقاعات متسارعة. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا؟ ما الذي تغير في تركيا.. وأي نوع من التغيير؟ وهل هو تحول عابر على يد حزب أردوغان الحاكم ـ «حزب العدالة والتنمية» ـ قابل للزوال إذا فقد هذا الحزب السلطة، أم أنه تحول حاسم وجذري؟
على مدى السنوات القلائل الأخيرة، أخذت تركيا تدير ظهرها للغرب وتتخذ إجراءات جريئة تجاه إسرائيل، من أبرزها إلغاء مشاركة إسرائيل في مناورات تدريبية جوية تجري سنوياً. وذهبت حكومة أردوغان أبعد من ذلك، فقد شرعت في بناء علاقة استراتيجية متعددة الجوانب مع كل من سوريا وإيران، مما يؤدي إلى طرح سؤالٍ تالٍ: هل تتحرك حكومة حزب العدالة والتنمية بدافع من أجندتها الذاتية فقط أم أنها تتجاوب مع تيار شعبي جارف؟
بعض المراقبين الغربيين يعزون قوة حكومة أردوغان إلى ضعف المؤسسة العسكرية التركية، التي ظلت تفرض نفوذها وسيطرتها على السلطة الحاكمة باعتبار أنها الحارس للنظام العلماني الأتاتوركي.
هذا الخط التحليلي صحيح.. لكنه ليس كافيا، لأنه لا يعطينا الإجابة الكاملة عن السؤال المطروح.. بل هو يؤدي في الحقيقة إلى توليد سؤال آخر: لماذا أصيبت مجموعة الجنرالات في الجيش بالضعف والوهن؟ ولماذا استسلمت إلى حالة الوهن هذه، وبالتالي لماذا تستكين إلى التحديات التي تمثلها سياسات وتحركات حكومة حزب العدالة والتنمية؟
هناك سببان للإجابة عن هذا التساؤل.. أحدهما ثانوي، والآخر أساسي.
السبب الثانوي يتعلق بطلب تركيا الانضمام إلى عضوية «الاتحاد الأوروبي». ورغم أنه لم تصدر عن الاتحاد حتى الآن موافقة على الطلب التركي، وليس من المنتظر أن تصدر في المستقبل المرئي، إلا ان تركيا ظلت على مدى الحكومات المتعاقبة تطبق شروط نيل العضوية الأوروبية. وفي مقدمة هذه الشروط تنفيذ إصلاحات ديمقراطية واسعة النطاق، كان من شأنها فعليا تقليص هيمنة المؤسسة العسكرية على جهاز الحكم، مما انعكس إيجابيا على الحريات العامة واستقلال القضاء وتحجيم المؤسسة الأمنية.
أما السبب الأساسي فيتمثل في انطلاق تيار شعبي عارم قوامه الطبقة الوسطى، في مقدمة مطالبه استعادة الهوية الإسلامية الأصلية للشعب التركي.
وبطبيعة الحال فإن تحولا سياسيا عارما كهذا، لا بد أن يتبلور على حساب الهوية العلمانية المفتعلة، التي ظل الميراث الأتاتوركي يفرضها على المجتمع جيلا بعد جيل. وهذا مما يفسر لنا لماذا اكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات العامة مرتين وبأغلبية ساحقة!
صفوة القول إن تركيا لم تعد تركيا الأتاتوركية، وأن انتماءها الأوروبي يتلاشى مفسحا المجال لمرحلة جديدة، تحت عنوان الانتماء الإسلامي. وهكذا فإن حزب العدالة والتنمية الحاكم وجد نفسه في موقف جيد لتطبيق أجندته الاستقلالية، خاصة بعد أن سادت قناعة شعبية بأن من المستحيل أن يسمح الاتحاد الأوروبي لدولة إسلامية كبرى، بأن تصبح عضوا في الأسرة الأوروبية المسيحية.
هذا هو الأساس الذي ينبغي أن نقرأ على ضوئه التحول الراديكالي التركي على يد حزب أردوغان، من حيث إنه تحول ينطوي على سياسات وتحركات في منطقة الشرق الأوسط، تؤدي بطريق مباشر أو غير مباشر إلى نسف العلاقة الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل، وينطوي بالتالي على تحدٍ للولايات المتحدة. وعلى هذا النحو فإن من شأن هذا التحول أن يؤدي إلى تداعيات جيو ـ سياسية في منطقة الشرق الأوسط.
من الطبيعي، إذن، أن يستشعر قادة إسرائيل خطرا جسيما من هذا التحول. وفي هذا الصدد يقول المحلل البريطاني «إيد بلانش»، في سياق مقالة صحافية في مجلة «ميد إست»، إن انهيار التحالف الاستراتيجي التركي مع إسرائيل، يحمل أصداء تحالف استراتيجي سابق بين إسرائيل وإيران الشاه، انهار تماما عندما أطاحت الثورة الإيرانية في عام 1979 بنظام الشاه محمد بهلوي.
ويقول «إفريم إنبار» مدير «معهد بيغن ـ السادات» للدراسات الاستراتيجية في إسرائيل، إن العلاقة الحميمية الإسرائيلية مع تركيا، كانت تأتي في المرحلة الثانية مباشرة بعد العلاقة الإسرائيلية مع الولايات المتحدة. ويعلق قائد سلاح الجو الإسرائيلي سابقا الجنرال «إيتان بن إلياهو» قائلا إن هذا «تطور خطير للغاية».
وليس من العسير معرفة التخوف الإسرائيلي من انهيار التحالف الاستراتيجي مع تركيا. فالقيادة الإسرائيلية موقنة من أن عنصرا أساسيا في أجندة حكومة حزب العدالة والتنمية، يتمثل في سعي أردوغان إلى إقامة حلف استراتيجي يجمع تركيا مع كل من سوريا وإيران.
كاتب صحافي سوداني