يودع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عامهم الهجري الثلاثين ويستقبلون الحادي والثلاثين بعد أربعمئة وألف، مستذكرين البدايات الأولى التي عايشها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والملمات والصعوبات التي أحاطت بالهادي الأمين تمهيدًا ليوم الهجرة العظيم، وفي سبيل الدعوة إلى توحيد الباري جل وعلا، ورغبة المصطفى عليه الصلاة والسلام في نقل الناس من حالة دنيا حياتهم فيها كانت أشبه بحياة الحيوان إلى حالة عليا تسمو فيها أرواحهم وأنفسهم.
والبعد بهم عن ملذات دنيوية دنيئة انغمسوا فيها من أعلى رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم، وقد كان لصفات الصبر والرحمة والحلم والتواضع والحب التي كانت تفيض ببحارها على أولئك الذين ظلوا أسرى شهواتهم وأهوائهم وأسرى وسوسة الشيطان، دور كبير في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وقد وصل به الحال لدى رؤيته قومه وقد انقادوا إلى شياطين الإنس والجن مبلغًا لدرجة أن خاطبه رب العزة تخفيفًا عليه من مشقة الحزن والشفقة والرحمة والخوف من مصير يكره أن يراهم سائرين إليه بقوله:
"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا"، وعلى الرغم مما تعرض إليه المبعوث رحمة للعالمين من أذى المشركين الذين بلغ بهم كرههم لنور الهداية حدًّا أن قذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين واتهموه بالسحر والجنون، فإن لتحلِّيه بالأناة والصبر على مقارعة الباطل وإخراج الناس إلى حياة حرة كريمة فضلاً عظيمًا في صنع أمة كانت خير أمة أخرجت للناس كما وصفها سبحانه وتعالى.
ينقضي عام هجري ونستقبل عامًا آخر جديدًا والآمال تحدونا في التأسي بالرعيل الأول وعلى رأسهم المصطفى صلى الله عليه وسلم من حيث التحلي بالأخلاق الفاضلة والكفاح من أجل حياة حرة كريمة تتوازن فيها متطلبات الدين والدنيا، وقد كان عامنا الهجري الثلاثون الذي نعيش اليوم آخر أيامه ونتهيأ لتوديعه واستقبال أخيه الجديد الحادي والثلاثين، على الصعيد المحلي عام خير وعطاء كغيره من سابق الأعوام، حيث ظلت السياسة الحكيمة التي اختطها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ فجر النهضة المباركة.
في مسارها الثابت كما أراد لها قائد مسيرة بلادنا الظافرة، تنشد خير الوطن والمواطن، وتعلي من شأنه وتسعى إلى راحته وتوفير سبل الحياة الكريمة ورغد العيش، وتطعَّمت هذه السياسة بالصبر والحكمة والروية وبُعد نظر، وحفتها مبادئ الإخاء والسلام والمساواة والعمل من أجلها في الداخل والخارج، فتهادت منجزات النهضة المباركة ومعطياتها ثمارًا يانعة يقطفها المواطن في كل بقعة من هذه الأرض الطيبة.
ولم تقتصر توجهات النهضة المباركة على بناء الإنسان ثقافيًّا ومعرفيًّا ومهنيًّا، بل كفلت له الحرية التامة في ممارسة شعائره الدينية وفق معتقداته وطقوسه والتعبير عن رأيه بكل حرية وأريحية.
ولعل من أبرز ما ميز العام الهجري الثلاثين الجولة السامية لجلالة السلطان المعظم ـ أعزه الله ـ في ربوع مناطق وولايات السلطنة متنكبًا الدروب ومتجشمًا عناء السفر من أجل اللقاء بالمواطن وتلمس حاجاته وتلبيتها كحق من حقوقه المشروعة، وقد كانت لهذه الجولة السامية آثارها الكبيرة على الصعيد التنموي والتطور والرقي بالوطن والمواطن، فضلاً عن الندوات التي صاحبت هذه الجولة السامية والمكرمات السامية التي واكبت توصياتها كندوة المرأة العمانية وذلك من أجل الوقوف على متطلبات المرأة العمانية باعتبارها شريكًا في عملية التنمية رتب لها الإسلام حقوقًا كالرجل.
وندوة "التنمية المستدامة للقطاع الزراعي ـ متابعة تنفيذ التوصيات" وذلك بهدف إرساء أسس تنمية زراعية مستدامة والمحافظة على المياه من الهدر والبساط الأخضر، وكفالة حقوق الأجيال القادمة، إلى جانب احتضان السلطنة العديد من المؤتمرات كالمؤتمر الدولي لبناء القدرات لإدارة المياه، والمؤتمر الرابع والخمسين للمجلس الدولي في التربية من أجل التعليم، وكذلك المؤتمرات الطبية كالمؤتمر الثاني للجمعية الخليجية لجراحة الأعصاب، وهي بلا شك أمثلة على سبيل التمثيل لا الحصر.
نسأل الله العلي القدير ونحن نستقبل عامًا هجريًّا جديدًا أن يكتب الخير والسلام والرفاه لبلادنا بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأن يمد في عمره ويمتعه بالصحة، ونسأل المولى أن يكتب التوفيق والسداد للأمة العربية والإسلامية ويوحد صفوفها ويكتب لها النصر والتمكين إنه سميع مجيب.. وكل عام والجميع بألف خير.
