تأملت الحالة التي آل إليها رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني اثر تلقيه ضربة من متخلف عقلي بواسطة تمثال تذكاري فأشفقت عليه، وهنا ليست الشفقة على شخصه، بل هي على الإنسان هذا الكائن الذي سرعان ما يتهاوى مهما بلغ من جبروت طاغٍ.

ومن هو بيرلسكوني، انه من امتلك عناصر القوة الدنيوية ممثلة في رباعية المال والسلطة والشهرة والنساء، وها هو في لحظات لقطة مجسمة للضعف على مرأى ومسمع العالم من أقصاه إلى أقصاه.

ملامح من الألم ملأت عينيه في تلكم اللحظة، وهو الرجل الذي أدمن عمليات التجميل حتى كأنه يصغر ولا يكبر مع مضي سنوات العمر، فإذا به يتهاوى بدم يغطي وجهه وأسنان تثلمت وشفة تمزقت وذؤابة أنف تكسرت.

هي ليست لحظة تشفي من أحد المتكبرين في الأرض، لكنها لحظة صحوة وتفكير في هذا الجسد عندما يتحول إلى صدمة موجعة لصميم الإنسان الفاني، لصميم الإنسان الطين حيث لاشيء غير التراب وحمأ مسنون.

قد يكون الوصف سقطة مبالغة في تصوير الحدث مقارنة مع ما تعج به المعمورة من كوارث بين كل ثانية وأختها، وباعترافي بشيء من صواب هذه النظرة يظل حادث بيرلسكوني ظاهرة تأمل للحظة معاناة المترفين من أصحاب العيش الرغيد، فهي الأكثر وقعا في استدراك الضعف البشري الذي تغيبه فخامة المناصب والنفوذ.

لنفصل المشهد ونتصل بالعبرة حيث فلسفة الألم، ذلك الشعور الذي لا يمكن إخضاعه لقواميس الجراحة، فالمحسوس الملموس يغدو عبورا يطفئه تسكين موضعي، أو حتى بتر نهائي، لكن هناك في الإنسان ولوجاً هو الأبعد عن الفهم المادي المحض الموغل في سراديب الأسئلة التي تتوه عن شخوصنا الغارقة في غياهب المادة الصلدة.

كثر هم أولئك الذين مروا على سرادق التاريخ قابضين على القرار في سانحة من الدهر، ثم صنعت الأقدار فيهم ما صنعت من مهلكة وصلت حد المهزلة بشقيها المبكي والمضحك، وما نراه في هذا الباب قد تجاوز حديث الرواة من جهد في تخيل المسموع إلى مشاهدة ومعايشة تفغر الأفواه، لكن المفاجأة القاصمة تكمن في قلة الناظرين إلى عمق الأحوال والاعتبار مما كان لما هو آت، وهو علم التدبر لذوي الأحلام والنهى.

وها نحن مرة أخرى نقف وجها لوجه بحثا عن تعريف جديد للألم بعيدا عن تجربة وخز الإبر حيث ابتعاث الأشياء من القلوب التي في الصدور، وهنا لا تغدو الحالة في حاجة لا إلى إبرة ولا إلى مقصلة لكي يتمطى وجع الإنسان، معترفا برواية الوجل والضعف ولو إلى حين.

.. ضعف الطالب والمطلوب.

talib99@emirates.net.ae