لاينكر أي منا بطبيعة الحال صعوبة المرحلة الراهنة التي يمر بها العالم بأكمله، بسبب الأزمة المالية وما خلفته من آثار لا نعتقد أنها ستنتهي ببساطة، لكن ما ينبغي أن نتفق عليه هو أن هذه الصعوبات لابد وأن تكون مناسبة لمراجعة العديد من الأوضاع الإدارية والاقتصادية في ضوء المعطيات الحالية، لتصبح الأزمة وسيلة لاغتنام الفرص، ليست الفرص الاقتصادية فحسب، بل الإدارية أيضا للنهوض بالمؤسسات وتحسين أدائها، لاسيما إن كانت الأرضية التي وجدت فيها تلك الأزمات غنية بالإنجازات التي تحققت في المجال.

كحال إمارة دبي التي أخذت الريادة العالمية في العديد من المجالات، بعد أن اكتملت بنيتها التحتية في الميادين الخدمية والإدارية والأمنية، والتي تعتبر المطلب الرئيس لأي تنمية ناجحة، وإن نتج عن ذلك بعض مظاهر سلبية متوقعة، فليس هناك تجربة كاملة، فلا يمكن لأي تجربة أن تبقى في منأى عن جوانب الصواب والخطأ.

لا يهمنا الرد على الإعلام الغربي المتحامل على دبي، فالإغراق في هذه المهاترات مضيعة للوقت والمال معا. والمهم هو التركيز على مراجعة بعض السياسات، ودراسة القرارات المتصلة بها، وتبني إستراتيجية إعلامية ذكية تتعامل مع الأحداث بحكمة وتأنٍ، فهذا كفيل بقطع الطرق على الإعلام الغربي وغيره، ويضمن تحقيق طموحات دبي ومصالح دولة الإمارات العربية المتحدة.

هذا النوع من الإستراتيجيات لا ينبغي الركون فيه إلى شركات علاقات عامة تتعامل مع الأحداث بمنطق تجاري يفتقر للخبرة، فمثل هذه الشركات يفتقر كذلك أحيانا لحرص وربما حس وطني، وهو الدور الذي لا يعجز عنه أصحاب الكفاءات من أبناء الوطن، بمعارفهم وخبراتهم التي أثروا بها أيضا تجارب مؤسسات محلية واتحادية تحملت بدورها مسؤولياتها في الحفاظ على الإنجازات.

ويمكن في ذلك الاستفادة من خبرات من أثبتت الأزمة المالية إخلاصهم، على خلاف أولئك الذين أظهرت الأزمة زيف صداقاتهم وحبهم للإمارات، التي لم تكن بالنسبة لأكثرهم سوى أرض للفرص، فما أن تذبذبت حظوظهم فيها حتى هربوا منها، محاربين لها، رغم كل ما أسند إليهم من مهام وما منحوا من حظوظ فاقت ما تم منحه أبناء الوطن.

وربما تكون التغييرات الإدارية التي أعلنتها دبي مؤخراً أكبر دليل على أنه لا مكان في المستقبل إلا للمخلصين، ممن تتوافر لديهم القدرات على إدارة مؤسسات تكون بقدر طموحات إمارة مثل دبي ودولة مثل دولة الإمارات، كفاءات تستطيع إدارة الأزمات ولا تفكر في اغتنام الفرص. فالدول اليوم لا تدار بأفراد، بل وفق نظام مؤسسي يبقى صامدا في وجه الأزمات، حتى لو فشل بعض الأفراد فيها.

maysarashed@gmail.com