خيمت الطمأنينة والسكينة على الكويت بعد أسابيع من الجدل الحاد حول استجواب رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، وسيل الاستجوابات الأخرى لأركان وزارته، إذ كان ختام هذه الأسابيع الحرجة والمتوترة نجاح المحمد في اجتياز ذلك الامتحان بكفاءة، فضلاً عن استضافة الكويت لقادة دول الخليج العربي في القمة الثلاثين لمجلس التعاون، حيث توجه اهتمام الجمهور والصحافة والفضائيات صوب مداولات قادتها والقرارات التي توصلوا إليها.

ولعل ابرز إنجازات هذه القمة هو تدشين مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، وهو مشروع استراتيجي سيوفر 5 آلاف ميغاواط من الكهرباء بكلفة 1600 مليون دولار، كما ذكر يوسف الجناحي رئيس مشروع الربط الكهربائي الخليجي، الذي أضاف أن تلك الكمية من الكهرباء هي «الرقم المناسب لمواجهة النقص في خدمة الكهرباء للعديد من دول الخليج العربي».

وأشار في مؤتمره الصحافي إلى أن «العراق تقدم للهيئة للمشاركة في مشروع الربط، وتمت إحالة طلبه إلى دول مجلس التعاون لتقرر ذلك من عدمه».

وكانت الكويت قد عاشت يوماً من أطول أيامها الثلاثاء الثامن من هذا الشهر، حيث عقدت جلسة لمجلس الأمة استغرقت عشرين ساعة، تناول فيها المجتمعون طعام الفطور صبيحة اليوم الثاني، الأربعاء، في أروقة المجلس، جرت فيها أربعة استجوابات دفعة واحدة، كان أولها استجواب رئيس الوزراء ناصر المحمد، وهي سابقة تحدث للمرة الأولى.

وقد عقدت الجلسة سرية بعد طلب الحكومة وتأييد 40 من نواب المجلس. وقد استغرقت الجلسة ست ساعات لتتلوها جلسة علنية تم فيها استجواب د. فاضل صفر، وزير الأشغال والبلدية، لتعود الجلسة سرية ثانية باستجواب وزير الدفاع، وهو أيضاً الأول في تاريخ الحياة النيابية في الكويت. ثم أخيراً استجواب وزير الداخلية العلني، الذي استمر إلى طلوع الشمس!

وقد حققت الحكومة نصراً في هذه الجولة المهمة، فبعد طول تردد استمر عدة أسابيع، قررت خوض غمار التصدي للاستجوابات، عالمة بأنها تمتلك الأغلبية، وهو ما تأكد حينما تم التصويت على عقد جلسة استجواب رئيس الوزراء بشكل سري، وحينما قدم 10 نواب طلباً بعدم التعاون، عارضته أغلبية النواب.

وبدت الحكومة في تلك الجلسة كأنها تحظى بقاعدة واسعة من النواب، وخصوصاً من النساء الأربع ومن نواب الحضر بسنتهم وشيعتهم، في حين غلبت على المعارضة الصبغة القبلية.

ومع هذا النصر المعنوي الذي حققته حكومة الشيخ ناصر المحمد، فإن أجواءً إيجابية أخذت تتشكل منهية حالة التأزيم التي وجدت الكويت نفسها فيها منذ صيف العام 2006، الأمر الذي يفتح المجال واسعاً أمام الحكومة للانطلاق نحو تنفيذ المشاريع المعطلة، وهي مشاريع استراتيجية مهمة لنهوض الكويت، تتعلق بتجديد بنيتها التحتية.

ولا شك أن الوقت مناسب للشروع فيها، في ظل الأزمة المالية التي تعصف بالعالم والتي جعلت تنفيذ مثل تلك المشاريع أقل تكلفة، فضلاً عن أنها ستحفز الاقتصاد المحلي وتجعله ينطلق ثانية.

وكان من المفروض أن يعقد مجلس الأمة جلسة في العاشر من هذا الشهر، مخصصة لمناقشة مشكلة «البدون»، إلا أن الجلسة لم تنعقد لافتقارها إلى النصاب القانوني، مما جعل «المعارضة» تتهم الحكومة بالتهرب من حضور الجلسة خشية مواجهة المشكلة، في حين ردت الحكومة بأنها منشغلة بالإعداد لمؤتمر القمة.

وكانت «لجنة البدون» في مجلس الأمة الكويتي، قد توصلت إلى مشروع قانون بشأن منح هؤلاء الحقوق المدنية المنصوص عليها في القوانين الدولية التي وقعتها دولة الكويت، كحق العمل والتعليم والاستشفاء وغيرها.

وقد وضعت اللجنة تعريفاً للبدون بأنه الشخص الذي لا يحمل أي جنسية والمسجل في سجلات اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير قانونية. وهذا التعريف من شأنه أن يقطع الطريق أمام الذين سيدعون أنهم عديمو الجنسية في المستقبل.

وقد اتخذت وزارة الداخلية إجراءات أمنية مشددة يوم انعقاد الجلسة المفترضة، تحسباً لتجمع البدون أمام مبنى مجلس الأمة، حيث هدد النائب نايف بورمية بأنه سيدعو «مئة ألف من هؤلاء للتظاهر أمام المجلس»! وبالطبع، ثبت أن تلك من «التهويلات» إذ لم يحضر شخص واحد من هذه الفئة، المعروفة بالمسالمة وبنأيها بنفسها عن الوقوع في المزايدات السياسية.

ويجمع المراقبون السياسيون على أن الحكومة باتت الآن في وضع أفضل، تستطيع معه وضع أسس واقعية لحل هذه المشكلة التي مضت عليها أربعة عقود، والتي تفاقمت في الآونة الأخيرة نتيجة لدخولها في حلبة الحسابات الانتخابية ودغدغة مشاعر الناخبين، بين المؤيدين لتجنيس الكثير من هؤلاء البدون وبالذات ممن تنطبق عليهم شروط الجنسية، وبين الرافضين لذلك.

وثمة توجه لتجنيس حملة إحصاء العام 1965، فضلاً عن أولئك العسكريين (أو ذريتهم) الذين حاربوا على جبهات القتال في حربي 1967 و1973 وفي حرب تحرير الكويت.

ويمكن القول إن أجواءً من التفاؤل باتت تخيم على الكويت، والكل يأمل بسنوات «سمان» مقبلة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com