هناك مواضيع تفرض نفسها على ساحة الحاضر، بسبب ما تشتمل عليه من أهمية في منظور المستقبل. ولا شك أن مكانة المسلمين في الغرب عامة هي أحد هذه المواضيع المطروحة بقوّة وبأشكال مختلفة اليوم، في انتظار ما ستؤول إليه نتائجها في الغد، على المسلمين وعلى الغرب.
في كل الحالات هذا موضوع لا ينبغي تجنّبه، بل الخوض فيه بجديّة ومسؤولية، ليس بسبب راهنيته فحسب، ولكن أوّلا، وأساسا، بسبب بعده المستقبلي في تحديد نمط العلاقة وطبيعتها مع العالم وفي العالم.
أثار قرار منع بناء المآذن في سويسرا الكثير من النقاش حول مكانة المسلمين في أوروبا. وفرنسا هي أحد أكثر البلدان الأوروبية حساسية لهذا الموضوع، أوّلا بسبب عدد المسلمين فيها، وثانيا لأنه يأتي في فترة يثير فيها النقاش حول «الهوية الوطنية» الفرنسية الكثير من الجدل العام.
والمسألة من الجديّة بحيث أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه نشر «مقال رأي» في صحيفة لوموند بتاريخ 9 ديسمبر الجاري بهذا الشأن، دعا فيه إلى الاحترام المتبادل بين «أولئك الذين يقدمون» و«أولئك الذين يستقبلون».
ولا شكّ أن القرار السويسري أثار حميّة أولئك الذين تداعبهم المشاعر العنصرية الدفينة من الفرنسيين. ومباشرة انتقل النقاش حول الهوية الوطنية من ميدان الهجرة، كي يتركز صراحة حول الإسلام.
وكي تكتمل الصورة، لا بدّ من ذكر الأسباب البعيدة التي تدفع فرنسا إلى أن تطرح على نفسها أسئلة حول هويتها الوطنية.
وعلى رأس هذه الأسباب نهاية إمبراطوريتها الاستعمارية، وقيام الاتحاد الأوروبي، و«ثورة الطلبة» عام 1968 التي هزّت المجتمع الفرنسي من جذوره. هذه الأمور كلّها تبلورت في المرحلة الراهنة، بطرح مسألة يمكن تلخيصها ب«التعايش» مع الإسلام كأحد مكوناتها.
بعض الأرقام لها دلالاتها. لقد نشرت صحيفة «الباريسي» يوم الخميس 11 ديسمبر الجاري استطلاعا للرأي، أظهر أن 54% من الفرنسيين يعتبرون أن الإسلام ينسجم مع نمط الحياة في المجتمع الفرنسي، بينما يعتبر 82% أن المعتقد الكاثوليكي و72% أن المعتقد اليهودي لا يطرحان أية مشكلة. للتذكير، الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا بعد الكاثوليكية.
وأظهر استطلاع آخر أن 41% من الفرنسيين يعارضون بناء مساجد جديدة مقابل 19% يؤيدون، بينما يؤيد 46% منع بناء المآذن. ودلّ استطلاع ثالث على أن 44% من الفرنسيين يرون أن الإسلام مثير للقلق أكثر من الأديان الأخرى، بينما يرى 55% أنه لا يثير لا أكثر ولا أقل من القلق بالقياس إلى الأديان الأخرى. هذه الاستطلاعات أُجريت كلّها في بدايات الشهر الجاري.
وفي فرنسا اليوم ما بين 5 إلى 6 ملايين مسلم، كما تدلّ مختلف التقديرات المتداولة، ويصل بعض التقديرات إلى 7 ملايين. القسم الأكبر من المسلمين الفرنسيين والمسلمين المقيمين في فرنسا، جاؤوا إليها واستوطنوا فيها بعد الحرب العالمية الثانية، ومعظمهم من مستعمراتها القديمة .
حيث كان قد جرى استقدامهم بسبب الحاجة إلى اليد العاملة، لإعادة البناء بعد الحرب ثمّ للمشاركة في النهوض الاقتصادي. الملفت للانتباه أن هناك خلطا واضحا في فرنسا بين «العرب» و«المسلمين».
الدولة الفرنسية لا تفرّق قانونيا بين مواطنيها على أساس العرق أو الدين. وفي عام 2002 قام وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، بتأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وتشير أرقام وزارة الداخلية الفرنسية لعام 2008 إلى وجود 1890 مسجدا وقاعة لأداء الصلاة في فرنسا.
على خلفية هذه المعطيات وفي سياق فرنسي داخلي، استغلّ اليمين المتطرّف منذ حوالي ثلاثة عقود التخويف من الهجرة والمهاجرين لغايات انتخابية، كما تفجّر عدد من القضايا مثل قضية الحجاب في المدارس، ثمّ البرقع حديثا. وفي سياق عالمي برز الكثير من العنف الدموي الذي بلغ ذروته في تفجيرات 11 سبتمبر 2001، ونمت مشاعر الخوف و«اكتشف» الفرنسيون أن الحضور المسلم كثيف عندهم لدرجة أنه يشكّل «تهديدا» لهويتهم الوطنية.
وما يُسمع ويُقرأ ويُشاهد، أقلّ بكثير مما تتداوله مواقع الانترنت ويتردد في المقاهي والبيوت. القاسم المشترك هو الحديث عن الإسلام القادم والمهدد لأسس الديمقراطية الغربية. لكن ربما يبقى الأكثر خطورة، بالقياس إلى كل ما يقال في فرنسا وفي سويسرا وفي كل مكان، هو «ما لا يقال»، لكنه يفعل ويتفاعل داخل النفوس.
لكن، رغم الضجّة المثارة حول تهديد الإسلام للهويّة الوطنية الفرنسية، ورغم توظيفها في اتجاه أو آخر، فإن عملية اندماج المسلمين في النسيج الاجتماعي الفرنسي تتقدّم. إنها تتقدّم ببطء، خطوة فخطوة. هذا ما تدل عليه جميع الاستطلاعات والتحقيقات الخاصّة بمشاعر الانتماء وبالنجاح المدرسي.
ومن المهم القول هنا إنه حتى أئمة المساجد في فرنسا عامة، كانت لهم آراء تتسم بقدر كبير من العقلانية والاعتدال، بالقياس إلى تلك الآراء الصادرة في داخل فرنسا وخارجها والتي بدت كأنها تدق طبول الحرب.
كاتب سوري ـ باريس