جاءت قمة الأمم المتحدة للتغيرات المناخية المنعقدة حاليا في كوبنهاغن، لتكشف عن عمق التحديات التي تواجه البشرية بالنظر لمستقبلها المناخي، والأخطار التي تتهددها.
فالأخطار المناخية الكونية وصلت لمستويات غير مسبوقة، بحيث انها لم تعد مشكلة عابرة تواجه الكرة الأرضية، بقدر ما أصبحت مشكلة ملحة عاجلة تحتاج لحلول فورية وملحة.
وهو أمر يؤكده جيمس هانسن، عالم المناخ الأميركي الذي يُعد أكثر من وجّه تحذيرات للساسة ودعاهم للعمل من أجل إيجاد حلول فعالة، من أجل مواجهة التغيرات المناخية الحالية.
فهانسن يرى أن الأوضاع الراهنة لا تستدعي أي قدر من المساومة على الأوضاع البيئية المتدهورة، بل إنه يشبه الوضع البيئي الحالي بقضايا حاسمة واجهها العالم، مثل قضية العبودية أو النازية، فلم يكن من الممكن للقادة العالميين أن يساوموا حول العبودية أو النازية، ويرجئوا مواجهتها لفترات تاريخية تالية تحت دعوى المساومة. وبالمثل ينطبق الأمر نفسه على مواجهة البيئة.
حيث لم يعد من الممكن القبول بتحسين البيئة بنسب معينة، أو التوصل لنسب معينة خاصة بالانبعاث الحراري؛ فمن الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة وسريعة للتخلص من الانبعاث الحراري. ويؤكد هانسن على أننا ليست لدينا نوعية القادة الذين يحددون ما يمكن عمله تجاه التغيرات المناخية الكونية، حيث يواصلون صناعاتهم وتجارتهم ومشروعاتهم المختلفة. فما زال هؤلاء القادة الكبار يفضلون المكاسب الآنية السريعة، على حساب المكاسب الكونية البيئية بعيدة المدى.
والمتوقع أن الاتفاقية الناجمة عن مؤتمر كوبنهاغن لن تؤدي إلى شيء يذكر، يضعها في تعارض مع ما انتهت إليه الاتفاقيات الناجمة عن قمة كيوتو والتي ينتهي العمل بها عام 2012. فالواقع الحالي يكشف عن تراجع اقتصادي حاد على المستوى الكوني، بسبب الأزمة المالية الراهنة، وهو أمر لن يجعل الجميع يُقدم على تنازلات حقيقية، تمكن من خفض حقيقي وفعلي في الغازات المنبعثة والمؤدية للاحتباس الحراري الكوني.
والمشكلة الأساسية أن البعض يرى الآن أنه من الضروري فك الارتباط بالعولمة، وضرورة العودة لنمط الإنتاج الداخلي الخاص بكل دولة على حدة، وذلك تجنبا للتلوث الناجم عن عمليات النقل الكوني. فوفقا للإحصائيات الخاصة بالأمم المتحدة، فإن النقل الكوني مسؤول عن 23 من انبعاثات غاز ديوكسايد الكربون، المسبب لارتفاع درجة حرارة الكون.
ومما يؤكد صحة ذلك أن العام 2009 شهد أقل نسبة انبعاث للغازات المسببة لارتفاع درجات الحرارة الكونية خلال أربعين عاما، وذلك بسبب ضعف التصدير في كافة أنحاء العالم في أعقاب الأزمة المالية الراهنة.
من هنا فإن الكثيرين يؤكدون على التحول من نمط الإنتاج من أجل التصدير، الذي يسبب الكثير من الانبعاثات الغازية بسبب النقل الكوني، والتحول نحو التركيز على الإنتاج من أجل الاستهلاك الداخلي، وهي مسألة لن تعجب الأربعة الكبار المسؤولين عن التلوث الكوني، وهم: الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند.
وعلى ما يبدو، فإن العالم غير مهيئ بعد لاتخاذ إجراءات حاسمة نحو التغيرات المناخية الحالية؛ فالخلافات مستعرة بشكل حاد بين أميركا والصين على وجه الخصوص، وهي خلافات تحكمها مصالح الدولتين ورغبتهما في المزيد من الإنتاج والتصدير، بغض النظر عن حجم الغازات المنبعثة من كليهما.
كما أن الحرب استعرت أيضا بين العلم والسياسة، من خلال التجسس على البريد الالكتروني للعلماء، ومحاولة التشكيك في النتائج العلمية القاطعة التي تؤكد على أن الانبعاث الحراري هو السبب الرئيس في ارتفاع حرارة الكون والتغيرات المناخية الهائلة التي تواجهنا الآن.
فالبروفيسور جون ماربرغر كبير العلماء الأميركيين في ما يتعلق بالتغيرات المناخية، يؤكد أن مسؤولية الغازات عن ارتفاع الحرارة حقيقة مؤكدة بأكثر من 90%، ولا تستدعي التشكيك في صحتها كما يحاول السياسيون وأصحاب الشركات ورجال الأعمال حول العالم.
يجب على العلماء الآن عدم الدخول في الجدل العقيم حول دور العامل البشري وتأثيرات الانبعاث الحراري في التغيرات المناخية الحالية، وهو جدل يستفيد منه رجال السياسة والأعمال في الأساس، من حيث أنهم يسحبون القضية إلى ملعب الخلافات العقيمة التي توجه النظر بعيدا عن الأضرار الهائلة المرتبطة بالانبعاث الحراري.
كما أنه يجب العمل على زيادة توسيع القاعدة الشعبية الخاصة بمقاومة التغيرات المناخية والتلوث البيئي بشكل عام؛ فلم يعد من المناسب الآن الاقتصار على الحركات النخبوية المرتبطة بالإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، رغم أهمية ذلك، بل إنه من الضروري توسيع دائرة العمل الميداني بين كافة الشرائح الاجتماعية المختلفة، وبشكل خاص الطبقة الوسطى والفقراء، من أجل زيادة الوعي بالمخاطر البيئية المتوقعة، والتي يدفع ثمنها الفقراء غاليا في كل مكان.
ما زال التعامل مع التغيرات المناخية الهائلة التي تواجهنا يتم من خلال حسابات المكسب والخسارة، وهي مسألة لم يعد يحتملها ما آلت إليه الأوضاع والتهديدات الكونية البيئية الراهنة.
فهل تفيق القوى الكبرى من غطرسة الأرباح والرغبة في الهيمنة الكونية، أم أنها سوف تستمر في تجاهلها للأوضاع الكونية؟ وساعتها لن يميز غضب الطبيعة بين غني وفقير، أو بين رئيس وتابع!
كاتب مصري
