لم يكن من الممكن أن يقرأ المرء الخطاب الذي ألقاه أوباما عشية استلامه جائزة نوبل، دون أن يشعر بأنه خطاب غير اعتيادي بالنسبة لمثل تلك المناسبة. ولعل ذلك أمر مفهوم، فالذي يتلقى الجائزة هذه المرة ـ كما قال أوباما بنفسه ـ هو «القائد الأعلى للقوات المسلحة» لدولة تحتل بلدين كبيرين، بل والإمبراطورية العسكرية الأكبر في العالم، والتي لا ينتظر أن تكون غير ذلك طوال عهده.
أكثر من ذلك، فإن الرئيس الذي يتسلم الجائزة ويلقي الخطاب، كان قد أعلن منذ أيام عن التصعيد العسكري في أفغانستان، عبر إرسال 30 ألف جندي إضافي ليصل بذلك إجمالي عدد قواته هناك إلى 100 ألف جندي.
ولأن المنطق الحاكم للخطاب لم يقل ما إذا كان من الجائز استخدام القوة العسكرية، وإنما متى وكيف يمكن استخدامها، فقد مثل في مجمله إطلالة على الإطار الفكري الذي يتحرك فيه الرئيس الأميركي، في ما يتعلق بقضية استخدام القوة العسكرية عموما ومشروعيتها وكيفية استخدامها.
أما من حيث المشروعية، فقد أسهب أوباما في الحديث عن مشروعية استخدام القوة العسكرية وضرورة اللجوء إليها في أحوال كثيرة، وتطرق إلى الحديث عن الكفاح السلمي باعتباره لا يصلح في كل الأحوال. وقد حرص أوباما على التأكيد على كامل احترامه لغاندي ومارتن لوثر كنغ، باعتبارهما رمزي الكفاح السلمي في العالم.
ومن ثم، بعد أن أكد أن صعوده للرئاسة لم يكن ممكنا لولا كفاح مارتن لوثر كنغ من أجل الحقوق المدنية في أميركا، وبعد أن قال صراحة إن حياة كل من غاندي وكنغ مليئة بالعبر والدروس، أشار أوباما إلى أنه «كرئيس دولة انتخب لحماية بلاده والذود عنها، لا يمكنه أن يحتذي حذو مارتن لوثر كنغ وغاندي وحدهما»، مؤكداً على أن الكفاح السلمي لا يمكنه مواجهة كل «الشرور».
وأعطى أمثلة على ما يقصد، فقال إن «حركة سلمية لم يكن بمقدورها أن تقف في وجه جيوش هتلر، والمفاوضات لا يمكنها أن تقنع زعماء القاعدة بأن يتركوا سلاحهم».
والحقيقة أن ما قاله أوباما بخصوص الكفاح السلمي، ذكرني بما قاله في جامعة القاهرة حين طالب الفلسطينيين بالكف عن الكفاح المسلح. فأوباما في احتفالية نوبل، يرد على أوباما في جامعة القاهرة! فالكفاح السلمي لا يصلح في كل الأحوال، كما قال أوباما بحق في احتفالية نوبل، خصوصا في حالة الاحتلال الاستيطاني، كما هو الحال بالنسبة لفلسطين التي لا تجوز مقارنتها بحركة الحقوق المدنية، كما فعل أوباما في خطابه في جامعة القاهرة.
لكن تظل المفارقة طبعا في ما قاله الرئيس الأميركي عن مشروعية استخدام القوة العسكرية، حتى في احتفالية نوبل، هي أنها لم تتضمن على الإطلاق مشروعية الكفاح المسلح ضد جيوش الاحتلال، وهي المشروعية التي أقرتها كل القوانين الدولية.
وفيما يتعلق بمتى يتم استخدام القوة العسكرية، فرغم أن أوباما احتفظ بحقه في اتخاذ قرار «أحادي» باستخدام القوة العسكرية لحماية بلاده، فإنه أكد على ضرورة احترام القواعد الدولية في ذلك الصدد. لكن مشروعية استخدام القوة العسكرية لا تقف لدى أوباما عند الدفاع عن بلاده، وإنما تمتد لتشمل التدخل الإنساني في حالات الحروب الأهلية أو المجاعات مثلا.
لكن الواضح أن أوباما يعتبر أن العمل الدولي الجماعي شرط أساسي في مثل ذلك التدخل. بعبارة أخرى، فعلى عكس كلينتون في حالة البلقان، بل وبوش الأب في حالة الصومال، فإن التدخل لأسباب إنسانية معياره عند أوباما هو أن يكون تدخلا دوليا جماعيا.
والمنطق الجماعي نفسه، هو أيضاً الحاكم لموقف أوباما من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي اعتبر فيه أوباما انتهاك حقوق الإنسان مصدرا لعدم الاستقرار والنزاعات المؤدية للحروب، فإنه كما جاء في خطابه، يعتبر الحل إزاءها قضية تستدعي التعاون الدولي من أجل محاسبة الحكومة المسؤولة عن تلك الانتهاكات.
أما من حيث الكيف، أي كيفية استخدام القوة العسكرية، فقد أكد أوباما على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي عند استخدام القوة المسلحة. وذكر الرجل الجميع بأنه منذ توليه الرئاسة، أعلن عن نيته إغلاق معتقل غوانتانامو وأمر بحظر التعذيب والالتزام باتفاقيات جنيف. لكن الحقيقة أن هذا الجانب تحيطه شكوك كثيرة، بل لعل مجال الحريات المدنية وانتهاكات القانون الدولي، هو الأسوأ على الإطلاق في سجل إدارة أوباما طوال الشهور التي حكمت فيها.
فكل المعلومات الموثقة، تشير إلى أن إدارة أوباما لم تضع في الواقع حدا للكثير من سياسات بوش المتعلقة بانتهاك القانون الدولي، وانتهاكات الحقوق المدنية داخل أميركا وخارجها.
لكن لعل أهم ما غاب عن ذلك الخطاب وعن احتفالية نوبل بأوباما، هو نفسه المسكوت عنه داخل أميركا نفسها بشأن مشروعية الحرب، من زاوية تحمل المجتمع ككل لتبعاتها. فلأن الجيش الأميركي جيش تطوعي، فإن العبء الباهظ للحرب يقع في الأساس على المجندين وأسرهم.
ولأن هؤلاء لا يمثلون عينة ممثلة لكل قطاعات المجتمع الأميركي وفئاته، ويشكلون نسبة ضئيلة للغاية من الشعب الأميركي ككل، فضلا عن أن نفقات الحرب لم يطلب من الأميركيين تحملها بشكل مباشر، بل يتم ترحيلها للأجيال القادمة، فإنه من السهل بالتأكيد على الإمبراطورية الأميركية، أن تظل تخوض حروباً في الخارج لا يشعر الكثير من الأميركيين بتكلفتها أصلاً. بعبارة أخرى، هل يمكن لحرب أن تكون مشروعة إذا كانت نسبة ضئيلة للغاية من أفراد المجتمع هي التي تتحمل ويلاتها؟
كاتبة مصرية
