يغطي الثلج الرطب مقبرة الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت، بدرجة تكفي لتثبيط عزيمتي ومنعي من متابعة الحشد المعتاد للخط الطويل والمثير للأسى، لشواهد قبور خريجي الأكاديمية الذين قضوا نحبهم في حرب فيتنام.

وتبدو هذه الشواهد مستقيمة وعلى خط واحد على طول السياج الخلفي، وهي لضباط شبان تخرجوا لسوء حظهم في عام 1963 وما يليه. وكانوا برتبٍ متفاوتة، بدءا من ملازم ونقيب، وقليل منهم برتبة رائد. وقاموا بواجبهم العسكري، وأطاعوا أوامر رؤسائهم الأميركيين السابقين؛ روبرت كنيدي، أو ليندون جونسون، أو جيرالد فورد.

لقد قاتلوا وقضوا نحبهم في سبيل الواجب والشرف ومن أجل أميركا، حالهم كحال آخرين من الخط الرمادي الطويل، الذين يرقدون في ويست بوينت أو في آرلنغنتون أو في المقابر الوطنية الأخرى القابعة في الأراضي الأميركية.

ولطالما أجبرتني الأعداد الكبيرة لشواهد قبورهم الرخامية، على طول السياج الخلفي، على ذرف الدموع الساخنة والمريرة على التضحيات التي قدموها عن طيب خاطر، من أجل حرب خاطئة وعقيمة تماما.

ومؤخراً جاء الرئيس الجديد رقم 44 إلى كلية «ويست بوينت» الحربية برفقة 44 من مرافقيه العسكريين، ليعلن أنه يقوم بتصعيد الحرب في أفغانستان وإضافة 44 ألف جندي إلى العدد الحالي البالغ نحو 70 ألفا. ثم انتقل بطائرته النفاثة للحصول على جائزة نوبل للسلام!

كان الله في عوننا، فأنا أقطر خجلاً من أجله ومن أجلنا، لهذه السابقة. جائزة سلام لرئيس يصعّد الحرب؟ هل تذكرون؟ فقد منحوا الجائزة نفسها لهنري كيسنجر، وكان زعيما سياسيا مسالماً، لدرجة أنه يتحمل مسؤولية ذبح 2 أو 3 أو ربما 4 ملايين شخص في كمبوديا وفيتنام ولاوس!

لقد وعد الرئيس الأميركي الجديد بأنه سيباشر بسحب تلك القوات الإضافية بعد 18 شهراً. وكما يقول مستشاروه السياسيون، لربما يحدث ذلك أو لا يحدث، وعلى الأرجح لن يحدث.

في غضون ذلك يقول الرئيس الأفغاني حامد قرضاي إن جيشه سيحظى بالمال والأسلحة والدعم، حتى العام 2026 أو نحو ذلك. لذلك فإن الحرب التي كان يجب أن تنتهي في عام 2003، ستتسع فقط وستكون مميتة بدرجة أكبر وأكثر تكلفة، مع بزوغ فجر عام 2010.

ومرة أخرى نجد أنفسنا نغرق في الرمال الناعمة، في حرب في المكان الخاطئ ضد عدو خاطئ بمساعدة سكان محليين خاطئين، حالهم كحال حلفائنا المفترضين، ولا أمل مطلقا يحدد حتى أي نصر يلوح في الأفق هناك، وليس أقله الفوز في مثل تلك الحرب.

هذا ما يحدث حينما يعلن أحد الزعماء السياسيين أنه سيتوصل إلى تسوية، بدلا من اتخاذه القرار الصائب. ويمكنه ابتلاعه لثلاثة أشهر والإنصات إلى كل حجة ممكنة مؤيدة ومعارضة، ولكنه سيقرر في النهاية شطر الطفل إلى نصفين، ويسمي ذلك تسوية!

لذلك ستتواصل الحرب المستمرة منذ ثمانية أعوام، من دون أن تلوح في الأفق أية نهاية قريبة لها، وسيزداد عدد شواهد القبور الرخامية في مقبرة الويست بوينت. لقد زرعنا بذور الحرب، وسنحصد شواهد القبور والحزن.

لقد كان الرئيس الجديد محقا في اختيار «ويست بوينت» كمكان لإلقاء خطابه، ولكن كان من الأفضل لو اختار إلقاءه في المقبرة، بدلا من قاعة أيزنهاور. وكما كان قرار الرئيس الأسبق ليندون جونسون بتصعيد الحرب الفيتنامية وأمركتها، قد أفسد رئاسته قبل أن يهدمها ويدمرها، فإن الحرب الأفغانية التي ورثها باراك أوباما سوف تفسد رئاسته.

لقد وصل أوباما إلى سدة الحكم وعلى كاهله كثير من الآمال للإصلاح، لكن الأمر يتطلب شجاعة أدبية فائقة لتحقيق تلك الآمال والوعود، غير أن ثمة أمراً واحداً تفتقر له رئاسته بشكل غريب، وهو الشجاعة الأدبية.

وفي الطريق إلى مقبرة «ويست بوينت»، والسياج الخلفي، أمرّ دائما على نصب تذكاري ضخم منمق يمثل المرقد النهائي للكولونيل جورج آرمسترونغ كستر، وقد توقفت عنده هذه المرة، وقدمت له تحية مهيبة من رجل خاض أيضا معركة يائسة مع الفيلق الأميركي السابع في واد نهري ناء. ثم خاطبت الكولونيل الشاب كستر بنبرة عالية قائلا:

سيدي، لقد كنت متعجرفاً وأحمق جاهلا وعرضت الجميع للقتل. ثمة بعض القادة العسكريين في هذه الأيام أكثر خبرة في خوض مباراة ملاكمة مع رئيس غرّ، وممارسة اللعبة السياسية لإطالة أمد حرب لا يمكن الفوز بها، بدل إحراز تقدم في مهامهم. وربما يمكنهم الإنجاز بصورة حسنة، لو تمكنوا من ترديد أصداء الدروس التي علمهم إياها الكولونيل كستر.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الإستراتيجية

Writersalbayan.ae