من السذاجة أن تأخذنا اللقطة إلى طبيب الأسنان ونحن في انتظار الوصول المرتقب لسعد الحريري رئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق، فهذا سعد وهذا بشار وهنا دمشق وهنا بيروت، وفي المجمل المتوقع مصافحة تتساقط معها أدران الماضي القريب البغيض بكل غثه وشعثه، وحسب السيناريو المعتمد بتوافق إقليمي على قاعدة «طاح الحطب» وما سبق فلتذره الذاريات بفعل ريح مصنعة في أكثر من عاصمة، وبدمغة أمريكية أصلية المنشأ، فرنسية الرائحة.
لنبتعد عن طبيب الأسنان حيث الم الخلع يجلب الصداع، فزيارة سعد لدمشق لا قلع فيها ولا خلع بل هي إكمال وانسجام مع حكومة الوفاق الوطني التي أعلنها الحريري الابن قبل ساعات من إعلان الزيارة التي تستوجب توثيقا تاريخيا لاعتمادها في مساقات علم السياسة والبرجماتية المعاصرة حيث نظرية لا عداوات دائمة ولا صداقات، بل هي المصالح التي تبقى الظل الدائم للعلاقات بين رجالات الحكم وعواصم الدول، وما سواها قابل للشطب والإحالة إلى أرشيف التاريخ.
إذن نحن هنا نبتعد كلية عن مشوار الأضراس، لنقترب أكثر من القلم والمسطرة في وصف قادم العلاقة بين مجمل لبنان من جهة، وسياسات تسيير أمور الحكم في سوريا فهي مجموعة من الخطوط التي تبدوا للوهلة الأولى متشابكة حد التعقيد بين الداخل والخارج، لكنها سرعان ما تنشد في خطوط مستقيمة وفي اتجاه واحد قد تختلف بدايته من قصر بعبدا أو قريطم أو حتى بكركي لكن نهاية الخطوط يجب ان تصل إلى حيث بقعة الضوء من أجل تحديد شكل الصياغات التي يسير فيها الوفاق وفقا لاتفاق الطائف، ويبدو ان هذا هو قدر لبنان، وتسرية عن البعض فلنقل انها لعنة الجغرافيا.
تأتي زيارة سعد الحريري على خلفية ملونة بعدد من الشخابيط التي يمكن لملمتها في الغياب السوري العسكري عن التراب اللبناني لكن مع تواجد استخباراتي متمكن، وعلى اتهامات صارخة سابقة من فريق الأكثرية بزعامة سعد للنظام السوري بأنه يقف خلف اغتيال الحريري الأب وانه يقف وراء سلسلة من الاغتيالات والتحركات التي عيشت لبنان أياما من التوتر الذي كاد ان يصل حد العودة مرة أخرى إلى إقامة المتاريس، لكن الظرف الدولي حال دون تدهور الموقف.
الوصول المرتقب تسبقه تهيئة تلحفت بالهدوء الذي سرى بين الرياض ودمشق وبيروت، إضافة لبعض الزيارات والاتصالات التي تمت في الظل وبعيدا عن صخب الإعلام، وهذا بالطبع ليس له علاقة بصعوبة الزيارة أو النقاط التي سيتم إثارتها بقدر ما هي تحمل صفة الخصوصية للزيارة الأولى بعد أحداث جسام، ولعلها هي العلاقات ذات الذائقة الحراقة التي تجمع الدولتين.
