ثمة فرصة حقيقية أمام بعض القوى المهمّشة في لبنان، لأن تلعب دورا تاريخيا قد يوازي في أهميته الحالة التاريخية الماثلة حاليا في تجسيداتها المختلفة. فالتطورات السياسية الأخيرة التي أفضت لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، قد وضعت البلاد أمام منعطف فريد، برغم مساهمتها في الجانب الآخر بإضفاء طابع إيجابي على الوضع العام برمّته.

إن المستجدات الأبرز في هذه المرحلة والتي تستدعي التوقف عندها مليّا، تتمثل فيما نشأ عن التطورات آنفة الذكر وانعكاس ذلك على الممارسة الديمقراطية الحقيقية، التي تدّعي كل القوى السياسية في لبنان أنها مؤيدة لها دون تحفّظ.

ولعلّ محو المعارضة من قاموس العمل السياسي التشريعي، هو أكبر تجلٍّ لهذه الحالة الخطيرة التي وصل إليها لبنان، باعتبار أن الأجهزة الرقابية في البرلمان لم تعد قادرة، وفق منطق التوافق القائم بين الأحزاب السياسية، على أداء الدور المناط بها، بكل أمانة وموضوعية.

فالبرلمان أصبح على الأرجح ذراعا مكمّلا للسلطة التنفيذية، وهذا بالطبع يثير في الجو العام سلسلة من المشاعر التي يحاول المجتمع اللبناني في الوقت الحاضر هضمها قدر الإمكان: أركان الحكم مطمئنون تماما إلى وضعهم المحكوم بتوافق الأحزاب الكبيرة وتفرعاتها الكثيرة المتفرقة، في حين تشعر القوى غير الممثلة في مكونات السلطة بكثير من القلق لطبيعة الوضع المستجد.

ويبدو من ردود الأفعال الأولية أن حالة القلق السائدة لدى تلك القوى، نابعة من أمر أساسي وجوهري يتمثل في ذوبان أشكال المعارضة داخل اللعبة السياسية الديمقراطية، الممتدة عبر أشكال الحكم والسلطة، في حين أن «المعارضات» الأخرى التي بقيت خارج التوافق الأخير، تتخبط منذ زمن بعيد في أزمات كثيرة ومختلفة، لا تزال غير قادرة على الخروج منها.

هذا يعني أنها ستكون على الأرجح غير قادرة على التأثير في مجريات صنع القرار، بالرغم من أن بعض تحركاتها (وربما ممارسات حلفائها الموجودين في السلطة) قد تشير إلى عكس ذلك في بعض الأحيان.

وهذا ينطبق على قوى سياسية ذات ثقل تاريخي وحجم شعبي ملحوظ، مثل الحزب الشيوعي، أو تحالف الشخصيات المهمة ذات الألوان السياسية المختلفة ممّن ينضوون تحت لواء «الخيار الثالث»، لكنه يسري أيضا على مكوّنات المجتمع المدني، الذي يبدو حتى الآن غير مدرك بشكل جدّي للدور التاريخي الذي يمكن أن يلعبه في هذه المرحلة التاريخية، وكذلك على قوى كثيرة متفرقة لم تتمكن بعد من فرض نفسها على ساحة العمل السياسي.

وهنا قد يكون من المفيد أن تسعى جميع تلك القوى لاستغلال الظرف الناشئ في لبنان، من أفقيه الإيجابي والسلبي معا، لتوحّد نظرتها السياسية حول كيفية انقاذ الممارسة الديمقراطية الرقابية، التي كانت تسود في لبنان أثناء أوضاعه المستقرة.

وهي مدعوة لإيجاد حالة بديلة عن الواقع المستجد، الذي نأمل أن لا نضطر ذات يوم لتشبيهه بممارسات الأنظمة التوتاليتارية (الشمولية)، والتي يكون فيها الحكم مركزيا ومسيطرا عليه من فئة واحدة، في حين تكون الهيئات الرقابية المختلفة، تشريعية كانت أم إدارية، مجرّد نوع من الديكور الذي لا لون له ولا رائحة.

قد تكون التجربة السياسية الجديدة في لبنان مرحلية وغير قابلة للاستمرار. فهذا أمر متوقع دائما في بلد التناقضات والمفاجآت الكثيرة، وقد نصل ذات يوم إلى تجربة مختلفة كليا تنقلب فيها المعايير وتتغيّر ظروف التحالفات القائمة حاليا، لتفرز واقعا جديدا لا ينسجم مع ما هو سائد الآن.

ولذلك، فإن المهمة الملقاة على عاتق القوى السياسية والمدنية المهمّشة، تتمثل في إيجاد تلك حالة بديلة من قبيل المساهمة في الأداء الرقابي الذي سيغيب لفترة عن العمل الديمقراطي التشريعي، بسبب الاعتبارات الكثيرة التي سبق أن ذكرنا بعضها.

وهنا تحديدا تكمن أهمية الفرصة المتاحة التي قد تحقق، في حال الاستفادة منها بشكل جيد، بعض الأهداف المهمة، وأبرزها: منح القوى المهمّشة مجالا جديدا للمناورة والممارسة السياسية، وبالتالي مساعدتها على إثبات نفسها أمام الرأي العام، ومن ثم بالطبع الاستمرار في ترسيخ مفهوم الممارسة الديمقراطية الرقابية على الساحة السياسية، بغض النظر عن الظروف التي تستجد بين لحظة وأخرى، والتي قد تفرز وضعا توافقيا شاملا بين القوى الممثلة داخل البرلمان مثلما هو قائم حاليا.

إن حالة التفاؤل التي عمّت البلاد والمنطقة منذ نيل حكومة الوحدة الوطنية الثقة، كانت ضرورية لنقل اللبنانيين من الوضع النفسي المتوتر الذي ساد شوارعهم وأحياءهم وتفرعاتهم الشعبية والطائفية، خلال الأعوام القليلة الماضية.. وحكومة قوية مثل هذه، هي حاجة ملحّة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى.

وهي مطالبة حتما بأن تكون بحجم التحديات والآمال والطموحات الكثيرة، لا سيما على الصعيد الخدماتي وملامسة هموم الناس ومشاكلهم اليومية، لكن أيضا في ما يخص مقاربة الملفات المصيرية الضخمة المرتبطة بالوضع الإقليمي.

ومع الاعتراف بذلك، إلا أن المسؤولية التاريخية تلزمنا بالإشارة دائما إلى أي خلل قد ينشأ على صعيد الممارسة الديمقراطية السليمة، التي يجب أن يقوم عليها الوطن في كافة الظروف.

ومن هنا ينبع القلق الذي يعتري كثيرين حول ما يجري في لبنان حاليا، في ظل الصبغة التي ميّزت الحكومة الجديدة: أولا، لأنها ستكون حكومة البرلمان والسلطة لا تلك الخائفة من رقابتهما، وثانيا لأنها أكّدت ما كان يقض مضاجع اللبنانيين بأنها لم تكن لتنشأ لولا وصول التفاهمات الإقليمية إلى خواتيمها السعيدة.

ومع أملنا أن تنجح الحكومة الجديدة في كافة المهام الملقاة على عاتقها، نأمل أيضا أن يجد بعض أقطابها بُعدهم المحلي ويقلل من التبعية الإقليمية المبالغ فيها.. ففي ذلك يكمن سر استمرارهم وتطور انتمائهم الوطني.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz