أثبتت أحداث الاثنين السابع من ديسمبر الماضي، أن الشريك الاكبر ـ المؤتمر الوطني (الحركة الإسلامية سابقا) ـ يحكم فعليا بمفرده البلاد. وهذا يعني عدم وجود الشريك الآخر: الحركة الشعبية.

وكما أن ما يسمى بحكومة أحزاب الوحدة الوطنية مجرد شعار موسمي قد يظهر في تجمع «كنانة» مثلا، لأنه يواجه بسؤال عن كيف يصنع القرار وكيف ينفذ داخل حكومة تدعي أنها تضم عشرين حزبا؟ هل كان الشركاء، صغارا وكبارا، على علم، على الاقل، بالقرار وأن السلطات سوف تستخدم القوة ضد المسيرة؟

أستطيع أن اجزم بلا تردد، أن اغلبية وزراء ومسؤولي حكومة الوحدة الوطنية، قد تابعوا الاحداث مثلنا من اجهزة الاعلام الاجنبية، لان الاعلام السوداني تجاهل الحدث.

هذه المقدمة ضرورية لفهم استفراد المؤتمر الوطني (الإسلامويون سابقا) بالحكم فعليا، وحين نقول النظام فهم المقصودون.

وهكذا أدار المؤتمر الوطني الازمة بكل رؤاه وآلياته الإسلاموية التي جاء بها إلى الحكم وثبّت بها سلطته: قمع اهوج يسانده اعلام كاذب ومزيّف.

فقد لازمت الإسلامويين منذ ان جاؤوا للسلطة عقدة انهم حزب اقلية ويفتقرون إلى ايّ شرعية، لذلك افرطوا في العنف والتضليل لضمان الاستمرار في السلطة. والآن وبعد اكثر من عشرين عاما اكتسبوا قدرات ومهارات في هذا المجال، مكنتهم من تأسيس نظام حكم امني شامل يمكن تسميته بـ «الامنوقراطية»، وقد سبق شرح المفهوم وسوف يتضح من سياق هذا المقال.

من ابرز عيوب النظام الحالي، ان المؤتمر الوطني يصر على ممارسة السياسة باساليب غير سياسية. فهو يفترض وجود حكم بلا معارضة، لذلك يسمي اي تحرك للمعارضة «مؤامرة» أو مخططا خارجيا. فالنظام صاحب المنظور الامني الشامل لا يعرف العمل السياسي السلمي: اجتماعات، ندوات، كتابة، مظاهرات ومواكب سلمية، واحتجاجات... الخ.

والسياسة هي في الاصل تنافس واحترام للاختلاف، والا ما هو العمل السياسي في رأيهم؟ السلطة في نظرهم مطلقة ويجب الا تزعج وتعطل وبالتالي لا تنافس.

وحتى حين أسس حزبا سياسيا عجز عن الخروج من العقل الامني إلى السياسي، اذ عليه ان يختار بين اسلوبين في التعامل مع المخالفين: إما الحوار والاقناع، أوالتخويف والارهاب. وقد اقتنع الإسلامويون بان الامنوقراطية اجدي وأكثر فعالية وعملية، والدليل على ذلك استمرارهم في السلطة حتي اليوم. وتبع هذا التصور استحالة ان تنزل جماهير إلى الشارع كمعارضة.

ويروى عنهم انه في الايام الاولي وعند مناقشة فرض زيادات على سلع، اعترض احد الوزراء خشية المظاهرات، فرد عليه احد النافذين اكثر: «تاني ما حتقوم مظاهرات في البلد دي»! لذلك فقد باغتتهم مسيرة الاثنين، خاصة وانهم قبل عامين افشلوا مظاهرة الاحتجاج على الغلاء.

وكانت النتيجة انهم بالغوا في استخدام العنف. وفي محاولة للاحتواء، حاول النظام أن يبيع فكرة ان ما حدث قام به الجنوبيون، وفي الجنوبيين مجموعة في الحركة الشعبية متطرفة على رأسها: اموم وعرمان. ورغم الاعتقالات الواسعة التي طالت حوالي 140 شخصا من بينهم رؤساء حزب المؤتمر السوداني والحزب الناصري، إلا ان وسائل الاعلام الخارجي ابرزت اعتقال الجنوبيين فقط. ومن جانبي رأيت في تظاهر الشماليين والجنوبيين معا، مظهرا ايجابيا للوحدة الجاذبة، أي أن تكون هناك قضايا مشتركة تجمع الطرفين.

ولكن العقل الامني يرى ان ما يجمعهم هو التآمر فقط، يلتقون حول مطلب الاسراع في عملية التحول الديمقراطي، وبعد ذلك يمكن ان يختلفوا في كل شيء. وهذا هو العمل السياسي ولا شيء غيره: تحالفات طويلة ومؤقتة قصيرة، ومصالح مشتركة. ونفس الحق الذي كون به المؤتمر الوطني تحالفه مع احزاب الوحدة الوطنية، مكفول في السياسة للآخرين لتكوين تحالف قوى جوبا. واكرر انه لا بد للمؤتمر ان يمارس السياسة بوسائل سياسية، ولذلك عليه الا يلجأ لشراء الذمم واختراق الاحزاب، بل ينافس حسب جودة البرامج المطروحة والاقناع.

ولكنه لا يستطيع الابتعاد عن السرية الامنية والضرب تحت الحزام. وفي احدى المرات، فاخر أحد القياديين فيه بقدرتهم على سلخ جماعات كبيرة من احزابها، باعتبار ذلك نجاحا سياسيا.

هذه عملية اقرب إلى تحول القطعان من مكان إلى آخر، اذ لا يجري حوار او نقاش، بل يدفع للشيخ أو الزعيم الذي يقوم بالوكالة على تحويلهم من حزب إلى حزب آخر.

كان الجناح الثاني للامنوقراطية: الاعلام، يقوم بمهمة مضحكة مبكية، لانه لم يكن مستعدا، وكان شبه واثق من استحالة خروج الجماهير إلى الشارع. ومن البداية حاصر الاعلام الخارجي كوادر المؤتمر الوطني، ورغم اجادتهم للمغالطات واللعب بالالفاظ والكلمات، الا ان لغة الكلام تعطلت في ذلك اليوم.

فقد تركزت الاسئلة حول الحق الدستوري للمواطنين في الخروج في مواكب سلمية، وهنا ايضا تبنوا لغة الشرطة والامن وليس لغة السياسيين والحقوقيين، ودخلوا في تفاصيل هل يكفي الاخطار أم لا بد من إذن مكتوب! اداروا هذا الجدل والانتخابات بعد اربعة شهور، كذلك الدستور يفترض ان يكون فوق القانون.

كما عجز اعلاميو النظام عن الاجابة على سؤال: لماذا تأخرت هذه القوانين سبب الازمة حتى الآن؟ وكانت الاجابة النمطية هي: انسحاب الحركة الشعبية من جلسات البرلمان. بينما الحركة انسحبت قبل اسبوعين، وسبب الانسحاب هو التأخير نفسه!

توجد انظمة حكم تعيش على استمرار الأزمات، ونظام المؤتمر الوطني واحد منها، تنشطه المشكلات والأزمات، فهي تولد اهتماما خارجيا واسعا وتشغل المواطنين عن معاناتهم اليومية. فمن الملاحظ ان السودان لا يخلو يوما من زيارة وسيط أو مندوب شخصي لرئيس، أو وفود منظمات اقليمية عربية أو افريقية تقدم خدماتها. فهذا النظام كان من الممكن ان يجعل البلاد في احسن ظروفها بعد ان نجح في توقيع اتفاقية السلام الشامل.

وقد ثمّن المجتمع الدولي هذا الانجاز عاليا، وأبدى رغبة جدية في إنجاح عملية السلام، ولكن النظام المتعيش من الازمات أضاع الفرصة. قد يبدو هذا التحليل غير منطقي ولا واقعي، ولكن الحقيقة هي ان النظام يخشى الاستقرار والحياة الطبيعية، لانها تعني وجود ظروف تسمح بالتفكير والتأمل والتنظيم، وفي هذه الحالة تبرز الرغبة في تغيير أو تفكيك النظام. فالنظام يعتقد ان إصرار الغرب على السلام مبرره العمل على التفكيك الناعم للنظام، لذلك فالأزمات هي ترياق بقاء للنظام، وليست كما نتصورها مصدر تهديد.

وقد رأينا كيف تم استغلال أزمة المحكمة الجنائية وجاءت النتائج عكس كل التوقعات، وقبل ذلك ازمة دارفور. ولا ننسى ضرب مصنع الشفاء وخطف الاطفال وطرد منظمات الاغاثة.

مدير مركز الدراسات السودانية

ssc_sudan@yahoo.com