أصبحت الفضاءات الواسعة لمنطقة لصحراء الكبرى وساحل غربي إفريقيا، هي المناطق المفضلة لنشاط تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بعد أن تعرض لضربات موجعة في المواجهات الدامية مع الجيش الجزائري والأجهزة الأمنية. وهناك أسباب في تحول نشاطه هذا.
أولا: إن بلدان الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى التي تضم كلا من مالي، والنيجر وتشاد، وموريتانيا لا تمتلك قوات عسكرية متمرسة على خوض الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، مثل الجيش الجزائري الذي يمتلك خبرة واسعة في هذا المجال.
ثانيا: إن تنظيم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الذي كان متمركزاً في منطقة القبائل الكبرى في الجزائر في بداية الألفية الجديدة، كان مكلفاً من قبل تنظيم القاعدة الأم بإنشاء مراكز لتنظيم القاعدة في منطقة الصحراء والساحل الإفريقي.
ثالثا: منذ أن أعلن تنظيم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» انضمامه إلى تنظيم القاعدة الأم في 2 نوفمبر 2006، وأنه غير اسمه ليصبح تنظيم «قاعدة الجهاد ببلاد المغرب الإسلامي»، وتكرّس ولاؤه لأيمن الظواهري الذي حمّله بدوره شرف قيادة وتنسيق عمل القاعدة الأم في بلاد المغرب العربي، بعدما انضوى تحت لوائه باقي الجماعات الإسلامية المتشددة في البلدان المغاربية، والتي أجمعت على التكاتف والاتحاد، توقع خبراء مكافحة الإرهاب وقوع الأسوأ في منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى.
رابعا: خلال السنوات القليلة الماضية ضاعف تنظيم «القاعدة» من عملياته العسكرية في هذه الصحارى الشاسعة، التي تحولت إلى مناطق خطيرة جدا من العالم، حيث تتقاطع وتتشابك فيها مصالح الإسلاميين المتشددين، ومهربي المخدرات والسجائر، والمهاجرين السرّيين، الذين يحمي بعضهم بعضاً.
وكانت الجزائر، وموريتانيا، والنيجر، وتشاد، مسرحاً لعمليات خطف لسياح غربيين. هذا الواقع امتد في الفترة الأخيرة إلى مالي، التي كانت ترفض الانخراط في الحرب ضد الإرهاب خشية أن تتعرض للاستهداف من قبل تنظيم القاعدة، رغم المساعدة اللوجستية التي تلقتها من فرنسا والولايات المتحدة، حيث تم خطف المواطن الفرنسي بيار كامات (61 عاما) في ميناكا التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر شمال شرقي العاصمة باماكو، حيث كان يرأس جمعية محلية، ويعمل في زراعة نبتة تستخدم لعلاج الملاريا.
وكان تنظيم القاعدة قتل في شهر يونيو 2009 سائحاً بريطانياً يدعى إدوين دايار، اختطف على الحدود بين مالي والنيجر في شهر يناير الماضي، وذلك بعد انتهاء مدة الإنذار من أجل إطلاق سراح إسلامي متشدد.
وتحولت «ميناكا» التي ينشط فيها حميد السوفي المكنى «عبد الحميد أبو زيد»، وهو القائد العسكري الميداني للفرع الصحراوي ل«القاعدة» بزعامة يحيى جوادي «أبو عمارّ»، إلى مرتع لجماعات «أبو زيد»، إذ بسطت «القاعدة» يدها فيها بعد انسحاب المتمردين الطوارق نحو مدنهم الثلاث (غاو، كيدال وتيمبكتو)، في حين أن التغطية الأمنية النظامية تبدو شبه منعدمة في المنطقة.
وبعد خطف الفرنسي في شمال شرقي مالي، خطف تنظيم «القاعدة» ثلاثة أسبان في موريتانيا يعملون في القطاع الإنساني، بينما كانوا على الطريق بين نواذيبو ونواكشوط في قافلة تقوم بنقل مساعدة إنسانية من برشلونة (صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية 10/12/2009).
منذ سنة 2006 شرع الجيش الأميركي في تدريب قوات تسع دول من الساحل الإفريقي بينها الجزائر، للتصدي لما وصفته إدارة بوش السابقة، ب«غزو القاعدة والشبكات الإرهابية للدول الإسلامية والفقيرة في القارة الإفريقية» بتمويل يبلغ 500 مليون دولار على مدار سبع سنين.
الحقيقة الماثلة أمام أعيننا، أن منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، ليست كما كانت قبل قرون منطقة ينشط فيها المهربون، وملتقى للطرق التجارية القادمة من وإلى الشرق الأوسط، وأوروبا، وأميركا اللاتينية. بل إنها تحولت من الآن فصاعدا إلى مفترق طرق للصفقات التجارية المعولمة، وإلى منطقة استراتيجية للصراع التنافسي الدولي، من أجل السيطرة على طرق الإمداد للنفط والغاز واليورانيوم، حيث تعتبر الدول الواقعة فيها مصدرا لكل هذه الثروات.
كاتب تونسي