من الأمور التي تستثير هواجس الطوائف والجماعات، والمجتمعات عامة، مسألة الهوية الثقافية والخصوصية المجتمعية. ومن المفارقات في هذا الخصوص، أنه فيما تزداد إمكانية التنقل والتواصل أو التبادل بين البشر مع ثورة المعلومات والاتصالات، تزداد في المقابل المخاوف من جانب حراس الهويات ودعاة المحافظة على الثوابت.
وهكذا نحن إزاء اتجاهين متعارضين يتولدان عن الموجة الحضارية الجديدة لعصر العولمة والمعلومة العابرة لحدود القارات والمجتمعات. الأول هو نشوء هويات جديدة، يمارس أصحابها خصوصياتهم بصورة مفتوحة، مركبة، عالمية، متجددة، بقدر ما هي متعددة الجنسية والإقامة أو اللغة والثقافة. مقابل ذلك يزداد الخائفون على تراثاتهم وتقاليدهم، انكماشاً وانغلاقاً، أو تطرفاً وإرهاباً، كما يفعل الذين يشهرون أسماءهم ورموزهم وسلاحهم في وجه العالم والآخر والمختلف، أكان شريكاً في الوطنية أم نظيراً في الإنسانية.
والخوف لا يقتصر على عالم دون آخر أو على بلد دون سواه، كما لا يقتصر على البلدان المؤلفة من فسيفساء عرقية أو طائفية، وإنما هو ظاهرة تشهدها الدول التي توجد فيها أكثرية طاغية، كما في أمريكا أو فرنسا.
ففي فرنسا يتجدد السجال بين الحين والآخر، حول مسألة الهوية في مواجهة مشكلات الهجرة. وهذا ما حصل مؤخراً، بعد أن توجه وزير الهجرة والهوية الوطنية إلى الفرنسيين يستفتيهم الرأي حول معايير الهوية الفرنسية ومواصفاتها. الأمر الذي أدى إلى اندلاع النقاش العمومي، على غير مستوى ومن غير طرف، ما بين مؤيد لهذه المبادرة ومعترض عليها.
أما في العالم العربي، فالهوية هي الهاجس والشغل الشاغل، منذ استفاق العرب على تفوق الغرب وغزوه لبلدانهم، هذا ما يحصل منذ الأفغاني ومحمد عبده إلى نظرائهم المعاصرين من المثقفين والدعاة الذين يمارسون الوصاية على شؤون الهوية والأمة. والسؤال هنا ما هي حصيلة الدفاع عن الهوية، في مواجهة الهيمنة الغربية، بعد كل هذه النضالات من حملة نابليون إلى غزوة بوش؟ لا مبالغة في القول بأنه، بعد قرنين من النضال والجهاد، الوطني والديني، باتت الهوية مشكلة لأصحابها، كما تشهد الفتن المذهبية والحروب الأهلية في غير بلد عربي.
وهكذا صار الأخ في الدين والشقيق في الوطن هو العدو. وتلك هي الفضيحة والكارثة، وهذا مآل استحواذ الهوية على صاحبها، وممارستها بعقلية اصطفائية، أحادية، مغلقة، عدوانية: أن يرتد التعصب ضد الخارج إلى الداخل، لكي يترجم نزاعات وانشقاقات تلغم الأوطان وتفكك عرى المجتمعات إلى قبائل وطوائف ومذاهب..
لا يعني ذلك تخلي المرء عن تراثه وتقاليده وثوابته، التي هي من علامات الهوية ومكونات الشخصية، على ما يمارس التهويل الإيديولوجي الحماة والدعاة، وإنما يعني بالدرجة الأولى أن الهويات يمكن أن تساس بطريقة منفتحة، مرنة، تواصلية، عالمية.
هذا ما فعله الفرنسيون من ذوي العقول المفتوحة والهويات المركبة. لقد عارضوا بشدة مطلب تحديد الهوية الفرنسية، معتبرين أن الهوية ليست شيئاً يمكن حصره وقياسه أو تعريفه بصورة جامعة مانعة.
يكفي برأيهم أن يحمل المرء الجنسية الفرنسية حتى يكون فرنسياً، بل إن بعض المعترضين رأى أن طرح السؤال حول هوية الفرنسي، هو عمل مشبوه يصدر عن موقف عنصري أو سياسي، ضد المهاجرين الفرنسيين الذين هم من أصول مغاربية أو إفريقية أو سوى ذلك، بقدر ما يقوم على التمييز بين الفرنسي الأصلي وغير الأصلي، أو بين الفرنسي الصالح وغير الصالح.
وأنا إذ تابعت النقاش حول الهوية الفرنسية، أراني أتواصل مع الفرنسي الذي يمارس هويته بصورة منفتحة على الآخر في الداخل أو في الخارج، أكثر مما أتماهى مع اللبناني أو العربي أو المسلم الذي يتعامل مع هويته بعقلية التعصب والتطرف، أو بمنطق التمييز والإقصاء، أو بلغة التهمة والإدانة، أو بأسلوب العنف والاستئصال.
ولا غرابة في أن تكون الحصيلة أن تمارس الهوية لدى الحماة كمحكمة أو قوقعة، أو أن تتحول إلى داء وعصاب لكي تسمم أجواء العلاقة بين فئات المجتمع وشرائحه، أو لكي تنتج الأزمات والكوارث.
من هنا فإن الفكاك من المأزق الذي تقود إليه هواجس الطوائف وأفخاخ الهويات، يقضي بإعادة النظر في المسألة، مفهوماً وممارسة، من غير وجه:
لا وجود لهويات أصولية صافية. لأن الهوية هي تركيبة مفتوحة على التعدد والتنوع، بتعدد العناصر والروافد والدوائر والأطوار التي تسهم في تكوين شخصية المرء: العائلة، الطائفة، الأمة، الدولة، المنطقة، المهنة، الحزب، الندوة... والاختلاف ليس نقمة، بل هو نعمة أو رحمة عند من يتأمل ويتعقّل.
والهوية ليست ذات بعد واحد، أو وجه وحيد، وإنما هي سوية مزدوجة منسوجة من الالتباس والتوتر والتعارض، بقدر ما تبنى على تعارض الميول والأهواء. ولذا، فالهوية التي تمارس بصورة بناءة وفعالة، ليست ذات طبيعة جامدة أو نهائية، بل هي نشاط ثقافي بقدر ما هي اشتغال دائم على الذات والمعنى. يتم بالتفكر والتخيل، بالمراس والجهد، بالاختراع والإبداع.
إنها صنيع وإنجاز على سبيل التحويل أو التركيب والتجاوز. والهوية ليست مماهاة خاوية أو فقيرة يتساوى بها المرء مع نفسه، وإنما هي شبكة علاقاته المتبادلة مع سواه، والتي بها يغني تجربته ويجدد هويته. ولذا ليست الهوية ماهية ثابتة أو حقيقة مسبقة، بقدر ما هي صيرورة متحولة، أي هي لا تقف وراء المرء كقيد معيق أو كعبءٍ ثقيل، وإنما هي أمامه كإمكان وجودي على الخلق والخرق والتغير والتجدد.
وأخيراً، ليست الهوية خصوصية مغلقة على الذات، خاصة اليوم في عصر الاعتماد المتبادل وتشابك المصالح والمصائر. ما من هوية لمجتمع أو طائفة أو مذهب أو مجموعة أو أقلية، إلا وتمارس خصوصيتها بصورة عالمية. حتى أشد المحافظين تطرفاً، إنما يمارس عالميته، على طريقته، سلباً أو إيجاباً، دماراً أو بناءً، هلاكاً أو سلاماً.
من هنا فإن المرء الذي يمارس حيويته الوجودية وينخرط في زمنه الراهن، لا يقع فريسة تهويمات الهوية وأمراضها الفتاكة، وإنما هو الذي يتقن لغة الحوار والاعتراف والتبادل لكي يمارس خصوصيته بصورة عالمية، بقدر ما يعتبر أن جواز مروره إلى النجاح والثراء والازدهار والفاعلية والحضور والشراكة الكونية.. هو المهنة والاختصاص والكفاءة والجدارة والإبداع والإتقان.
كاتب ومفكر لبناني
