الحديث عن الخدمات الصحية ذو شجون، ويبدو أن هذه الشجون لا تقتصر علينا نحن المتعاملين مع هذه الخدمات من خارج الكادر الطبي فقط، بل تنبع من الداخل حيث يعمل الأطباء، واسمحوا لي أن أخص هنا المواطنين، دون انتقاص من مكانة غيرهم.
ولا إلغاءً للدور الذي أسهم ويسهم به في هذا القطاع زملاء لهم من جنسيات أخرى. هذا التخصيص ليس نابعا من نظرة ضيقة تنتقص من دور طرف لصالح طرف، أو تضخم من دور طرف على حساب طرف، ولكن لطبيعة الردود التي تلقيتها على مقال الأسبوع الماضي حول «خدماتنا الصحية.. بين الشك والثقة».
وأخص بالذكر رسالة الدكتور المواطن منصور أنور حبيب (اختصاصي طب الأسرة والصحة المهنية) التي حوت تفاصيل كثيرة سأحاول استخلاص أهمها، في حدود ما تسمح به المساحة المخصصة للمقال، الذي يبدو أن موضوعه لامس وترا حساسا لدى العاملين في هذا القطاع من الأطباء المواطنين.
يقول الدكتور منصور في رسالته: أردت من خلال هذه الكلمات أن أطرح بعض وجهات النظر من تجربتي في المجال الطبي التي تكاد تكمل عشر سنوات، منذ تخرجي وانخراطي في مهنة الطب بدولتنا العزيزة.
لا أعرف من أين ابدأ، حيث إن الهموم التي ذكرتها وتساؤلاتك التي طرحتها تؤرقني والكثير من شباب الوطن الذين تخرجوا معي، والذين انتهى المطاف بالكثير منهم إلى المجال الإداري في المؤسسات الطبية، وفقد المجتمع مهاراتهم العملية في علاج المرضى ماعدا القليل الذي يصارع الموج.
هناك حالة موجودة في دولتنا ربما لا توجد في بقية الدول المجاورة، ولكن لا أعلم إن كانت هي السبب في هذا الغموض والتخبط في تقديم الخدمات الصحية؛ وهي وجود أكثر من جهة صحية خدمية، فهناك الوزارة، وهناك الجهات الصحية المحلية في كل من دبي وأبوظبي، وهناك القطاع الخاص، وهناك الجيش، وهناك الشرطة، وكل جهة من هذه الجهات لها قوانينها وتشريعاتها الخاصة بها. قد يقول البعض إن هذا أفضل بدلا من وجود كل الضغط على جهة واحدة فقط.
أتفق مع هذا التوجه إلى حد ما، لكن للأسف لا يوجد تنسيق فعلي وحقيقي بين كل هذه الجهات، بالرغم من وجود مجلس صحي أُنشئ مؤخرا يضم ممثلين للجهات المذكورة، لكن هذا المجلس لا توجد لديه سلطة تنفيذية أو تشريعية تلزم جميع الجهات بالعمل ضمن إطار عام موحد، مع إمكانية المرونة في بعض المهام.
والمشكلة عندما يتوجه المريض من جهة معينة بعد عمل بعض الفحوصات، إلى جهة أخرى لأخذ استشارة ثانية، حيث لا تعترف الجهة الثانية بالفحوصات التي أجراها وتلزم المريض بإعادة عمل الفحوصات مرة أخرى، وفي المجال الطبي هناك إثبات علمي أن إعادة عمل أشعة الصدر أو غيرها في فترة وجيزة، تزيد احتمال تُعرِّض المريض لمضاعفات غير محمودة على المدى الطويل كبعض أنواع السرطان. ليس شرطا أن يكون مسؤول الجهة الصحية طبيبا.
حيث الكثير من الأطباء ليست لديهم قدرات إدارية، لكنّ وجود خلفية طبية لدى المسؤول يلعب دورا كبيرا في توجيه الموارد البشرية واستغلالها أفضل استغلال، لذلك فلا الأقل من أن يكون هناك مجلس إدارة يضم أطباء متخصصين ذوي خبرة وكفاءة، كي لا تكون هناك قرارات ارتجالية.
ذكرت في المقال حصول الأطباء على رواتب خيالية، هذا صحيح لكن للأجانب فقط، والدليل المثال التالي: لي ابن عم تخرج في بداية التسعينيات وشد الرحال إلى الولايات المتحدة ليحصل على تخصص في أمراض السرطان والدم، وكان أول طبيب مواطن يحمل هذين التخصصين، رجع إلى الدولة فتعين على درجة وظيفية متوسطة بعد أن تلقى وعدا بالترقية، ومرت سنتان دون أن يحصل على أي ترقية فحاول معرفة السبب.
لكنّ الأعذار لم تكن مقنعة فهاجر إلى الولايات المتحدة وحصل على درجة بروفيسور والجميع يشهد له بالإخلاص والتميز، قامت الجهة الحكومية نفسها بالتواصل معه قبل فترة كي يدير مركز السرطان، ولكن لكونه إماراتيا لم تستطع هذه الجهة تعيينه بعقد خارجي (كما يحدث مع الأجانب) وعرضت عليه المعمول به حسب قانون الموارد البشرية المحلي، فرفض العرض وواصل هجرته!
أما الحديث عن القطاع الخاص فيحتاج إلى كتاب وليس صفحات، النقطة الجوهرية في القطاع الخاص هي أنه قطاع ربحي بحت، والقلة القليلة تعامل المريض بإنسانية، ورغم أن القطاع الخاص شريك أساسي في الخدمات الصحية، لكن يجب وضع قوانين صارمة وموحدة على مستوى الدولة كي نستطيع حماية المريض.
أما المريض وهو صاحب الشأن، فقد لاحظت من تجربتي أن المرضى المواطنين بشكل عام لا يحاولون تثقيف أنفسهم ويفتقرون إلى اتخاذ القرار، بينما الأسلوب الحديث في العلاج الطبي يقول إن أفضل طرق العلاج هي عندما يشترك المريض مع الطبيب في اتخاذ قرار العلاج أو الفحص.
أعلم أن المرضى تعودوا أن يقرر الطبيب لأنه الأعلم، هذا صحيح لكن المريض أعلم بمرضه وآلامه، وبحكم تخصصي كطبيب أسرة تبينت لي الإيجابية الكبيرة لهذا الأسلوب في تقليص فترة العلاج. هذه هي أهم النقاط التي حاولت استخلاصها من رسالة الدكتور منصور.
وهي نقاط مهمة تلخص رأي الكثير من الأطباء المواطنين الذين يرون أن هناك تخبطا كبيرا في القطاع، كما تقول إحدى الطبيبات المواطنات العاملات في وزارة الصحة في تعليقها على المقال، سببه عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بالإضافة إلى انعدام التدقيق الطبي، ونقص عدد المواطنين الذين تقارب نسبتهم 5% في القطاع ولا تُعطى لهم الثقة رغم تميز الكثيرين منهم، وعدم وجود كادر طبي خاص رغم المناداة به منذ سنوات، وسوء اختيار الخبراء الذين يتم استقطابهم.
والصرف المبالغ فيه على المعدات والمواد التي تُطلب بمبالغ خيالية، ومنها ما يقبع في المخازن بدون استخدام، وأمور كثيرة لو وُجِّهت بالطريقة الصحيحة لأصبحنا في مصاف الدول المتقدمة في الخدمات الصحية، وفق ما تقول الطبيبة المواطنة. نقاط كثيرة نتمنى أن تقوم الجهات المختصة (بالتعاون مع جمعية الإمارات الطبية) بدراستها، للوصول إلى خدمات صحية تحقق رضى جمهورها الداخلي والخارجي معاً.
كاتب إماراتي