من ينظر لحسابات الأرباح والخسائر في منطقتنا العربية يعرف كيف أهدرنا ثرواتنا المادية ، وأضعنا الفرص وكرّسنا ثقافة الخلاف، وحتى الدول التي حاولت اعتزال الخلافات أُجبرت على أن تخوض معارك لدرء المخاطر حول وجودها، ولأننا في المملكة عشنا حياة الفقر، والأبعاد الكبيرة بين مدننا وقرانا حتى كانت بعض الدول العربية المحاذية لحدودنا أقرب من المسافات التي تفصلنا عن كياننا، وكانت البادية تنتقل داخل الأراضي العربية بالمشرق والمغرب دون جوازات ومساءلات وفرز للهوية لأن التاريخ فرض علاقة هي أقرب للوحدة العربية الطبيعية من الأخرى السياسية التي ضاعت مع الأماني، فإننا لا نزال على وفائنا العربي..
الموحّد العظيم لهذا الوطن استطاع تجميع أكبر كيان في دولة واحدة لأن الغايات والأهداف كانت واضحة عندما تبنى استراتيجية غاية في الذكاء وباستشراف المستقبل، ولذلك، رغم ما تعرضنا له من محاولات جِّرنا إلى مستنقع الحروب بالنيابة، وتلقي فائض الفكر الأيديولوجي، ونشوء حروب على حدودنا ظل تماسك الوحدة أقوى من مصادر الضغوط الخارجية، لتكون هناك قناعة مطلقة عند القيادة والشعب أن تزاوج المصير الواحد، والثقة في مؤسس الدولة وأبنائه، هما الضامن الحقيقي لتلاقي الأهداف والمشاعر، وقد تجلت مظاهر كثيرة في أفراحنا وظروفنا الأخرى أن دخلنا العديد من الاختبارات التي أكدت قوة بنيتنا الأساسية لوحدتنا وتضامننا، ولعلنا في مشاهد استقبال سمو ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، أن عايشنا الصورة الرائعة المتكررة للحب المتبادل في أجلى معانيه..
فقد جاء عامل الاستقرار ليشكّل روح الوطن ولنبدأ المشاريع الكبرى في البنية الأساسية وما بعدها، ولعل من يتذكر من المعمَّرين في هذا البلد كيف كان البحث عمن يقرأ رسالة قادمة لعائلة أو لعمل، أو لأي شأن آخر يجد صعوبة فيمن يقرأ أو يكتب، والآن صار رصيدنا كبيراً في الأطباء والمهندسين والإداريين وغيرهم لدرجة أن الإحصاءات العالمية تضع المملكة الأولى في المنطقة فيمن يتعاطون التفاعل مع الحواسيب ، ويتواصلون معها، ولم يكن ليحدث هذا لولا أن الإرادة الواثقة من مشروعها وضعت الأساس ليأتي البناء الكامل..
من يأخذون علينا بداوتنا كعائق للتنمية بأنواعها، يدركون إقرارنا بذلك لكننا سبقناهم في معظم الميادين لنبقي على تقاليدنا الثابتة ومثلنا العليا كجزء من شخصيتنا، ولعل السرّ في ديمومة هذا الكيان أننا في سيرتنا ظلت قناعتنا قائمة بأن لدينا ما نستطيع فعله وتحقيقه، وبالفعل جاءت التباشير عظيمة في وحدتنا وتقدمنا..
يوسف الكويليت
