البعض يستهويه ارتياد المراكز التجارية وقضاء ساعات طويلة ربما امتدت منذ الصباح، وحتى منتصف الليل دون أن يصاب بالملل والضجر، بل يجد متعة كبيرة في التسوق أو حتى ربما الفرجة ليس أكثر قد يضيع الوقت بلا مردود وقد يجعله ذا فائدة بقراءة كتاب مثلا أو لقاء أصدقاء لم يرهم منذ مدة طويلة.

لكن من يختار التوجه إلى رمال البلاد في بداية البَر أو عمق الصحراء يجد متعة حقيقية من هبة الله للإنسان، خاصة في هذه الأيام التي أقل ما يمكن القول عنها إنها رائعة الجمال، حيث الجو المائل للبرودة والأمطار التي سالت بها الأدوية، كما أن الخروج من البيت باتجاه الطرق الخارجية أصبح رحلة يومية ممتعة بلا عناء تعود بالكثير على الكبار والصغار.

في نهاية الأسبوع لبيت دعوة صديقة لزيارة «عزبة» العائلة في منطقة الحميدية في إمارة عجمان، والعزب تنتشر هناك في تناسق جميل، ومثل الحميدية لا غرو أن تجد مثل هذه العزب منتشرة في مختلف صحراء الدولة، حيث تتخذها الأسر أماكن لتربية قطيع الماشية والجمال وأنواع الدواجن.

لن أتحدث عن هذه العزب التي أصبحت الخدمات فيها متكاملة، بل عن حرص الآباء الشباب على اصطحاب أطفالهم الصغار ليمضوا ساعات ما بعد الدراسة ويومي الإجازة ليحيوا حياة الأولين بتفاصيلها الجميلة التي نفتقدها اليوم، تاركين كل مظاهر المدنية بما فيها من أدوات التسلية وقنوات الفضاء وأجهزة «البلاك بيري» وغيرها، ليقضوا أوقاتهم في اللعب على الرمل والاعتناء بما تحتويه العزبة، يتخلل كل ذلك دروس في الحياة والتربية والتعلم، الذي يعالج أي خطأ يرتكبه الصغير أمام الكبير، ولقاءات روحانية تتبع أداء الفروض والجلوس حول مائدة العشاء التي تحرص الأم على إعداد وجبتها، والسهر على جمرات السمر وهي تحتضن إبريق الشاي برائحته الزكية.

هذا الحرص الذي نستشعر فيه أهمية أن يبقى النشء لصيقا بجذوره معتزا بحياة عاشها الآباء والأجداد، كانت بمثابة مصانع أعدت رجالا بنوا هذه الدولة، حري بآباء اليوم أن يربوا أبناءهم على تلك القيم والفضائل، بدلا من تركهم يتسكعون في المولات متشبهين بمن لا يشبهوننا في شيء، متشبثين بمظاهر لا تعبر عن ثقافة مجتمعنا، ولا علاقة لها بعادات أهلنا، بل لا نبالغ إن ذكرنا نماذج لمراهقين من المواطنين من الجنسين، ليسوا فقط لا يتحدثون العربية، ويختلفون عن المواطنين في مظهرهم، بل انهم جيل معجب حتى النخاع بكل ما هو غريب ومتمسك بقوة بكل ما هو غير مالوف.

fadheela@albayan.ae