كما توقعنا، نجحت إسرائيل في ممارسة ضغوطها على دول أوروبا، ليأتي قرار الاتحاد الأوروبي بشأن القضية الفلسطينية، مجرد «نصف خطوة» على الطريق الصحيح، بعد أن تم تعديل مشروع القرار السويدي، وخاصة في ما يتعلق بالقدس.
حيث كان ينص على أن القدس الشرقية هي العاصمة المرتقبة للدولة الفلسطينية، ليأتي القرار، بعد التعديل، مبهماً ويترك مستقبل القدس للتفاوض الإسرائيلي ـ الفلسطيني، مع الإقرار بأن القدس ستكون عاصمة للدولتين، وهو ما دعا الرئيس الفلسطيني أبو مازن، الذي كان يسعد بأي خطوة ولو صغيرة على الطريق، إلى إبداء أسفه لأن مواقف بعض الدول الأوروبية الأساسية، لم تكن على مستوى المواقف الأوروبية السابقة خلال الثمانينات والتسعينات..
وهذا صحيح، ولكن الأسف الأشد يأتي مع السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن «أبو مازن» أو عنا جميعاً، وهو: هل هي مواقف الدول الأوروبية فقط؟ وهل الموقف الفلسطيني والعربي الآن على مستوى المواقف السابقة.. أم أننا نسير من سيئ إلى أسوأ ببركة السياسات الخائبة والانقسامات التي تكاد تقتل القضية الفلسطينية وتهدد المستقبل العربي كله؟!
فالعامل الأساسي هنا ليس قوة إسرائيل، بل ضعف الموقف العربي وبؤس الواقع الفلسطيني المنقسم، وغياب الرادع الذي يجعل كل طرف دولي يدرك أن قراره في قضايانا، سوف يؤثر على مصالحه في منطقتنا.
وفي هذه الظروف، يصبح منطقيا أن نعتبر «النصف خطوة» الأوروبية إنجازاً يستحق منا «نصف الترحيب» على الأقل، في وقت يتم فيه استنزاف القوى العربية في معارك طاحنة كما يحدث مع السعودية واليمن، وكما يجري داخل السودان والعراق وبين فتح وحماس، ثم لا يكفينا ذلك فنتبرع بخلق المعارك الوهمية كمعركة كرة القدم بين الجزائر ومصر، والتي كادت تدمر علاقات شعبين شقيقين قبل أن يعود العقل ليتحكم في الأمر وينقذ الموقف، وإن كانت هناك آثار جراح تحتاج للوقت والجهد المشترك لعلاجها.
وما يستلفت النظر هنا، أن الجزائر ومصر شريكان هامان لأوروبا، وكانا معا يستطيعان تكثيف الجهد لمواجهة الضغوط الإسرائيلية على الدول الأوروبية في معركة القرار الأخير، خاصة إذا كانت معهما الشقيقة سوريا بعلاقاتها الواسعة والمتداخلة أيضا بالدول الأوروبية، ولكن ـ وللمفارقة ـ كانت العلاقات بين دمشق والقاهرة مطروحة من جانب مسؤولين كبار في الدولتين الشقيقتين، في نفس يوم صدور القرار الأوروبي.
. فمن ناحية كان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط يصرح أثناء زيارته للبحرين في إطار جولته الخليجية، بأن العلاقات المصرية السورية «ليست سيئة»، مضيفاً أنه لا يوجد نزاع أو صدام بين البلدين، بل اختلاف في الرؤى في بعض القضايا أدى إلى التباعد بعض الشيء، معرباً عن أمله في أن يحين الوقت لعودة العلاقات إلى سابق عهدها.
على الجانب الآخر، كان نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، يعرب عن الأمل في أن يدخل الدفء في العلاقات السورية المصرية في المستقبل القريب أو البعيد نسبيا، لأن هناك حاجة ماسة لأن تكون العلاقات بين البلدين الشقيقين في أفضل حالاتها، مؤكداً «أن هذا الزمن لن يطول»!
كلام، رغم ايجابيته، يعني أن الأزمة ما زالت مستمرة، وأن الهوة ما زالت واسعة بين الدولتين الشقيقتين، وهو أمر لا يمكن استمراره مع تصاعد المخاطر في المنطقة، ومع تحرك كل القوى العالمية والإقليمية للدفاع عن مصالحها وتوسيع نفوذها على حساب العرب، ومع احتمالات انفجار الموقف في أكثر من موقع في الوطن العربي، ومع تزايد احتمالات لجوء إسرائيل إلى عدوان جديد تهرب به من حصار السلام وتوفر واقعاً جديداً، وتنهي به الاستقرار الهش في لبنان أو تستكمل حربها على غزة أو تفتح الأبواب لكارثة جديدة في الخليج بضرب إيران.
وكم هو مؤسف أن نواجه كل هذه التحديات والمخاطر، بلا استراتيجية واحدة ولا رؤية مشتركة.. وكم هو مؤسف أن نذكر بالبديهيات مرة بعد أخرى فلا يتحرك أحد.. وكم هو مؤسف أن يتصور أحد أن التحالف مع هذا الطرف الإقليمي أو الدولي يكفي لتأمين الحاضر والمستقبل.. وكم هو مؤسف أننا ونحن في أشد الحاجة إلى استعادة التوافق المصري السوري ليكون ـ كما كان دائما ـ ركيزة أساسية لحفظ الأمن القومي والمصالح العربية..
ما زلنا نسمع تطمينات المسؤولين في القطرين الشقيقين بأن العلاقات «ليست سيئة»، أو أن الأمل قائم في أن يعود الدفء إليها في «زمن لن يطول».. وكأن الزمن سينتظرنا، وكأننا بعلاقات «ليست سيئة» يمكن أن ننتصر على ما نواجهه من مخاطر وتحديات!
تصريحات المسؤولين الكبيرين في مصر وسوريا، رغم أهميتها، هي في أحسن الأحوال «نصف خطوة» على الطريق، مثلها في ذلك مثل قرار الاتحاد الأوروبي بعد الرضوخ للابتزاز الإسرائيلي.. وفي مثل هذه الأوضاع الخطيرة التي نعيشها، فإن «أنصاف الخطوات» لا تعني إلا أن الوضع أسوأ مما نتمنى بكثير!
كاتب مصري