زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للصين مرت كأن لم تكن، ولم يخرج عن الزيارة من التصريحات ما يلفت النظر أو يثير الاهتمام، هذا في الوقت الذي كان يتوقع فيه الكثيرون، وخاصة في الولايات المتحدة، أن تثمر هذه الزيارة نتائج إيجابية كثيرة، خاصة في المجال الاقتصادي. وكان متوقعا أن يلقى أوباما ترحيبا كبيرا في الصين التي اعتادت أن ترحب بضيوفها الكبار.

ولكن شيئا من هذا لم يحدث، وكأن الذي زار الصين رئيس عادي لا يستحق استقباله استثناءات معينة في البروتوكول، الأمر الذي طرح العديد من الأسئلة، مثل هل أجهزت بكين نهائيا على كل أمل لواشنطن في بناء تحالف استراتيجي معها؟ وماذا يمكننا أن نتوقع حدوثه على الجبهتين الاقتصادية والسياسية العسكرية بين البلدين؟ هل ستكون هناك تنازلات متقابلة وتعاون أم توتر وصدام؟

زيارة الرئيس الأميركي إلى الصين غدت مناسبة لتأملات جدية بشأن سبل تطور العلاقات الأميركية الصينية، خاصة في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية التي تعاني منها الولايات المتحدة أشد المعاناة، بينما تبدو الصين الأقوى بين دول العالم في هذه الأزمة، في ظل السيولة المالية الكبيرة المتوفرة لديها، وفي ظل إنتاجها الصناعي المتنامي الذي وجد فرصة كبيرة في الأزمة في الأسواق العالمية، بفضل رخص أسعاره عن غيره.

ويرى عدد من الخبراء أن حصيلة زيارة الرئيس الأميركي، تمثل نصرا كبيرا للدبلوماسية الصينية. فالجانب الصيني تلقى من الأميركيين شتى الاعترافات والوعود، سواء الاعترافات السياسية بمكانة الصين كقوة سياسية عظمى على الساحة الدولية، أم الاعتراف الاقتصادي بقوة الاقتصاد الصيني العملاق، بينما لم تستلم الولايات المتحدة شيئا في المقابل، سوى المجاملات والعبارات الدبلوماسية المنمقة، مثل أن تعلن بكين أن العلاقات الأميركية الصينية قد تمت إعادة تفعليها.

إلى ذلك يبدو أن الأوضاع الجديدة هذه، جاءت في صالح الصين أكثر منها لصالح الولايات المتحدة. فقد غدا واضحا، بعد زيارة أوباما التي تحدث فيها عن سعي بلاده لتأسيس تحالف استراتيجي مع بكين، أن الصين بدت غير مهتمة بإنشاء أي تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة في أي مجال من المجالات، وقد أعلنت السلطات الصينية عن ذلك بصراحة وبصيغة لا لبس فيها.

وهكذا فالرواية الصاخبة عن «الثنائي الكبير» وُضعت على الرف في أقل تقدير، إن لم نقل إنها انتهت ولن تتحقق أبدا، كما أخفقت طموحات الولايات المتحدة للحصول على تأييد الصين في المسألة الإيرانية، حيث بدا موقف بكين في تأييد إيران ثابتا لا يحتمل التأويل.

ولا تقتصر التناقضات في العلاقات بين الدولتين على ذلك، فالمراقبون يشيرون إلى احتمالات تصاعد المواجهة بين واشنطن وبكين على الصعيد العسكري، وإن لم يكن بالطبع إلى حد الصدام فعلى الأقل إلى مستوى المنافسة والتسابق لفرض الهيمنة والنفوذ.

فقد كانت الولايات المتحدة تحتكر الهيمنة على المحيط الهادئ بلا منازع، بينما نرى العسكريين الأميركيين قلقين اليوم من تعزز الأسطول البحري الحربي الصيني والقوة الجوية الصينية، وكذلك من نجاحات الصين في صنع السلاح المضاد للأقمار الصناعية، ناهيك عن التقارب العسكري بين الصين وروسيا الذي وصل إلى مستوى المناورات العسكرية المشتركة التي منعت واشنطن من حضورها كمراقب.

أما بكين فهي من جهة أخرى قلقة من توريدات السلاح الأميركي إلى منافسي الصين الإقليميين، وكذلك من حالات تجاوز الطائرات التجسسية والسفن الأميركية على المنطقة الاقتصادية الصينية. مستوى التوتر بين الولايات المتحدة والصين في المجال السياسي والعسكري اليوم، أشبه بالمواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في سنوات «الحرب الباردة».

ولا يهدئ من حدة التوتر سوى أن الصين والولايات المتحدة شريكتان اقتصاديتان كبيرتان، وأن اقتصاديهما مترابطان، بل متداخلان ويعتمد بعضهما على بعض. فالصين من أكبر ملاك السندات المالية الأميركية، والولايات المتحدة من أكبر أسواق التصريف للبضائع الصينية، وهذا يعني أن الصدام بين العملاقين مؤجل إلى حين.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru