حقاً إن ذلك هو حلم الجميع، أن تتحول «كوبن هاغن» الجميلة، عاصمة الدنمارك، إلى «هوبن هاغن» كما اقترح رئيس وزرائها لارس لوكي راسموسن وهو يفتتح قمة المناخ العالمية، أمام حشد غير مسبوق من 1200 مندوب يمثلون 192 بلداً.
وتتبين لنا أهمية المؤتمر لو علمنا عدد رؤساء الدول الذين سيحضرون أيامه الأخيرة، حيث تستمر مداولات القمة أسبوعين، إذ سيكون في أروقتها أكثر من مائة رئيس دولة بينهم باراك أوباما ورؤساء الدول الصناعية الرئيسية، وهي الدول المسؤولة أساساً عن التغير المناخي، إلى جانب رؤساء وقادة الدول الأخرى كالصين والهند وغيرهما.
وقد استغرق الإعداد لهذا المؤتمر «القمة» وقتاً طويلاً شهد صراعات «شد» و«جذب» لا حصر لها بين الدول الرئيسية، وبالذات الولايات المتحدة الأميركية والصين والدول الأوروبية، حول معالجة مشكلة المناخ، وتحديداً سبل تخفيض مستوى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون ومقدار التزام كل دولة بذلك.
حقاً إن كوبنهاغن تمثل «مدينة الأمل»، حيث تعصف بكوكبنا منذ مدة ظاهرة الاحتباس الحراري، التي إن لم نتحرك جميعاً كأبناء كوكب الأرض وقاطنيها لوضع حد لها، فإننا سنكون جميعاً من ضحاياها.
فما نلحظه من ارتفاع الحرارة في بلداننا وتغير في معدلات تساقط الأمطار والميل إلى القحط، واضح للعيان. ويرى آخرون في بقاع بعيدة عنا، ازدياد عنف الأعاصير وذوبان الثلوج وغزارة الأمطار التي تسبب الفيضانات العارمة، فضلاً عن زحف المحيطات على السواحل المنخفضة واختفاء الكثير من المناطق السكنية فيها، إلى جانب اختفاء العديد من الجزر في شتى المحيطات والبحار.
وليس غريباً والحال هذه، أن يكون ثمة إدراك بين البشر جميعاً لأهمية معالجة مشكلات المناخ وإعطائها الأولوية، وتؤكد ذلك الدراسة التي نقلتها البي بي سي (7/12)، وهي عبارة عن استطلاع للرأي شمل 24 ألفاً ينتمون إلى 23 بلداً من جميع أرجاء المعمورة، حيث بين الاستطلاع أن هذه مشكلة لغالبية هؤلاء (64%)، كما بين زيادة الوعي بها عن ذي قبل، حيث كانت النسبة 44% من نفس العينة في استطلاع أجري عام 1998.
ولعل مبعث الأمل والرجاء ما نطق به غالبية هؤلاء (في ظل عالم يمر بأوقات عصيبة اقتصادياً)، من أنهم مع ضخ الاستثمارات الحكومية لمعالجة هذه الأزمة «حتى لو أضر ذلك بالاقتصاد الوطني»! ويلقى هذا الرأي تأييداً مطلقاً في الصين (89%)، وهي ثاني أكبر دولة مسؤولة عن الانبعاثات الغازية، وتأييداً لا بأس به في الولايات المتحدة (52%)، وهي التي يعزى إليها ربع تلك الانبعاثات.
ويشعر قادة العالم المجتمعون في كوبنهاغن بضغط عالمي غير مسبوق، فقد دعا البابا بنديكتوس إلى اتخاذ «تدابير مسؤولة تجاه البيئة من أجل التخفيف عن الفقراء والأجيال القادمة»، ونشرت 56 صحيفة حول العالم تصدر في 45 بلداً بعشرين لغة، افتتاحية حثت فيها القادة على اتخاذ إجراءات تاريخية لوقف التدهور البيئي والمناخي.
وبالطبع، لم يبخل الناشطون والمهتمون بأمر البيئة بالتظاهر في أكثر من عاصمة، والتعبير عن مطالبهم بالحفاظ على مناخ الأرض ومحاربة الاحتباس الحراري والسيطرة عليه. وجاء أول الغيث من «رأس الرجاء الصالح»، حيث أعلنت جنوب إفريقيا أنها ستحاول تخفيض انبعاثاتها بمقدار الثلث، شريطة الحصول على مزيد من التمويل والمساعدة التقنية من الدول المتقدمة.
ولعل التمويل واستخدام التقنيات الحديثة الصديقة للبيئة، هي المعضلة الكبرى التي تواجه الدول النامية لمحاربة الانبعاثات الحرارية الصادرة عنها، بيد أن هذه الدول ليست هي أساس المشكلة، إذ إن متوسط ما ينتجه الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في إثيوبيا على سبيل المثال، لا يتعدى مئة كيلوغرام في السنة، في حين أن قرينه الأميركي ينتج حوالي عشرين طناً من تلك الانبعاثات! فالدول المتقدمة صناعياً.
والتي يشكل سكانها 13% من جملة سكان العالم، تنفث في الفضاء ما نسبته 45% من جملة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وبالتالي، فإن من الأهمية بمكان أن تتفق هذه الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية إضافة إلى منافستها الجديدة الصين فضلاً عن الهند، على مستويات معينة للانبعاثات.
ومما يؤسف له أن أصداء مؤتمر كوبنهاغن والتفاعل معه على المستوى الرسمي والشعبي، قليلة عندنا، بعكس ما يجري في بقية العالم، وبالذات في أوروبا، رغم أن البلاد العربية ستكون الأكثر تأثراً بقرارات هذه القائمة. فالكل يستشعر وطأة التغيرات المناخية في المنطقة العربية، وأبرز مظاهرها قلة الأمطار وبالتالي شح المياه في الأنهار الأساسية، وبالذات في نهري دجلة والفرات ونهر الأردن، وما قد يسببه شح المياه هذا من حروب مستقبلية.
ولا شك أن الدول العربية مطالبة بالتحول إلى الطاقات البديلة، بالذات طاقتي الرياح والشمس، واستخدامهما في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه.
ولا بد في هذا المقام من التنويه بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في هذا المضمار، بقيامها ببناء مدينة كاملة تُسير بالطاقات النظيفة، حيث من المأمول أن تكون نموذجاً يحتذى للمدن في المنطقة مستقبلاً.
كاتب كويتي