للتنمية وصولا إلى التقدم، تحدياتها العديدة التي يمكن للإنسان القادر مواجهتها والتغلب عليها، لكن هذه التحديات تتزايد كثيرا، خصوصا مع تزايد المتغيرات العالمية الضاغطة بما ينعكس على ما هو إقليمي ومحلي وبما يفوق قدرته على مواجهتها، وحينها لا بد من تعاون عالمي وإقليمي.

وفي عالمنا الكثير من التحديات والأزمات والحروب والنزاعات التي تتضاعف حدتها، من أزمة اقتصادية عالمية أنتجتها الإنسانية النظم الرأسمالية، وتغيرات مناخية عالمية بسبب تعاظم طغيان التنمية المادية في الدول الصناعية على حساب توازنات البيئة، ومن الأمراض الوبائية المتوالية بسبب تركيز البحث العلمي على التسلح وغزو الفضاء، بينما يتراجع الاهتمام بالإنسان على الأرض..

مما يضع على الدول الساعية إلى النمو خصوصا، ما يعرقل جبريا خططها التنموية وينزع الأمان الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للإنسان في الدول المتقدمة والنامية على السواء.

ومع ذلك، فكل شيء في حياتنا مرهون بالإنسان ومدى قدرته على إدارة الأزمات وكفاءته على مواجهة التحديات، سواء بالوقاية أو بالعلاج، وبالاستجابة لكل حالة بوضع الخطط الملائمة أو البديلة لمواصلة النمو.. فكل شيء يبدأ بالإنسان وينتهي إلى الإنسان.

وفي ظل السباق الحضاري الذي لم يتوقف بين الأمم، والذي شهد عبر التاريخ حضارات سادت وحضارات بادت، وفي عصرنا الحديث لا يزال هذا السباق متواصلا بالإنسان، لحساب الإنسان أو على حسابه.

وسواء بفكر الحوار أو التكامل أو حتى التصادم بين الحضارات، تتسابق المجتمعات إلى اتخاذ مواقع متقدمة في هذا العصر الذي يوصف بعصر الثورة في العلوم والتكنولوجيا، وفي الإعلام والمعلومات والاتصالات، عصر السماوات المفتوحة، بل والحرية التي لا تحدها حدود أو قيود.

ولأن القائد الحقيقي لهذه الثورة البناءة، هو الإنسان وهو نفسه الذي يصنع الأزمات، ويصنع وسائل الخروج منها، ولأن أي تقدم حضاري لا يمكن أن يتحقق إلا بقبول التحديات والقدرة على مواجهتها، تمهيدا لبناء التنمية الشاملة والمتكاملة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، ولأن الإنسان هو وسيلة أي تنمية وغايتها..

فإن البداية الصحيحة لأي بناء حضاري، لا بد أن تتكون ببناء الإنسان نفسه ليكون عاملا منتجا، ومبدعا خلاقا في التنمية البشرية التي يجب أن يتسلح فيها بالصحة والتعليم والكفاية والكفاءة والعمل والأمان. فكل شيء في حياتنا لا بد أن يبدأ بالإنسان وينتهي إلى الإنسان.

وإذا كان صحيحا أنه لا علم إلا بإنسان عالم، ولا ثقافة إلا بإنسان مثقف، فلا فائدة من علم لا ينفع الإنسان، ولا خير في ثقافة لا تنير طريقه، ولا جدوى من إعلام يهبط بعقل الإنسان ويتدنى بذوقه ويسيء لقيمه، فإن الحاجة تتزايد إلى العالم الخير الذي تنير عقله وروحه وقلبه قيم الخير، لينتج علما يعمر ولا يدمر.. وإلى المثقف السوي الذي تسيطر عليه الرغبة في الإصلاح، ليصدر للناس ثقافة بناءة تدفع إلى الإبداع والإنتاج..

وإلى الإعلامي الواعي المسلح بالعلم والثقافة، ليحول الشاشة المضيئة إلى شاشة منيرة، فالفارق كبير بين الضوء وبين النور، بين ضوء يبهر ليدمر وبين نور يهدي ليعمر.

وقد خلق الله الإنسان وجعل له الخيار بين طريقي الخير والشر، ثم خلق له قلبا واحدا ليرى، {إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، وعقلا واحدا ليعي قبل اختيار القول أو الفعل، وضميرا واحدا لينبه الإنسان عند الغفلة، ولسانا واحدا ليتكلم أقل وليستمع أكثر.. بينما جعل له عينين اثنتين ليسلحه بكشافات ضوء على كل طريق، ليرى أكثر مما يغمض، فإن أغمضت واحدة رأى بالأخرى، وليقرأ أكثر مما يكتب، وخلق له أذنين ليستمع أكثر مما يتكلم، وليستقبل أكثر مما يرسل.

وحين يتعاون جل الناس على صناعة الحق والخير والجمال، والعمل والإنتاج والعدل، ينعكس ذلك على الجميع صحة وعلما وطيب عيش وضمان حياة، ويكون المجتمع قد عرف طريقه إلى التنمية البشرية نحو مجتمع التقدم الإنساني والحضارة الحقيقية.

وخير ما يفعل الإنسان لأخيه الإنسان هو العدل، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستغل الغني الفقير، ولا يستبد ذو السلطة بمن لا سلطة له. وصولا لمجتمع الكفاءة والكفاية والعدل والمساواة، والأمن والأمان.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com