عندما نتحدث عن ميثاق شرف إعلامي عربي، فذلك يعني أنه يجب أن ينبع وينطلق من التراث العربي الإسلامي بما تحمله الكلمة من معنى. فالدين الإسلامي الحنيف أكد وأوصى في العديد من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة، بالممارسة الإعلامية الأخلاقية.
فإذا انعدمت الأخلاق وسيطرت النزوات الشخصية أو الحزبية أو المالية التجارية، ابتعدت المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة، وبدلا من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع عن الطبقات المحرومة، تصبح في يد فئة قليلة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها، على حساب المصلحة العامة.
هذا بطبيعة الحال يؤدي إلى انعدام المصداقية، وتدهور العلاقة بين المجتمع والمؤسسة الإعلامية، ما يجعلها تعمل في فراغ تام، حيث تنعدم عملية التأثير والتأثر من أساسها، وفي الغالب يتجه المتلقي نحو بدائل إعلامية أخرى، ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية.
إن تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال، في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالم، يعني أننا قضينا على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي إلى سوء التفسير والاستخدام. والمؤسسة الإعلامية في المجتمع، مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة، يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من أجلها وتدافع عنها.
فإذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية)، وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التفكير والتعبير، ففي هذه الحالة نستطيع أن نتكلم عن مؤسسات إعلامية فاعلة.
المؤسسة الإعلامية هي مؤسسة اجتماعية، ومن هنا يجب أن تعي وسائل الإعلام في الوطن العربي أنها ليست مجرد وسائل لبيع مساحات للإعلانات وتحقيق الربح السريع، وأنها ليست وسائل لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان أكبر عدد ممكن من إقبال جمهور المراهقين والشباب عليها.
وهي ليست مؤسسات لنشر الحقد والضغينة والكراهية والتحريض وإقصاء الآخر، بل وأهم من كل هذه الاعتبارات أن هناك مجتمعا بكامله ينتظر رسالة إعلامية هادفة ومسؤولة، من أجل نشر الثقافة والعلم والأصالة والفكر السليم والتحليل السليم ورأي عام مستنير، في إطار القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية العربية الأصيلة.
الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة، يجب أن تمارس في إطار الأبعاد الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام، وعليها مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها.
وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة، أخطر بكثير من أي جريمة أخرى، لأن المؤسسة الإعلامية عندما تكذب أو تغالط فإنها كذبت على ملايين البشر، وهنا تكمن أهمية الأخلاق والالتزام والنزاهة التامة في العمل الإعلامي.
ما نلاحظه في الممارسة، مع الأسف الشديد، هو طغيان أحد الأمرين، إما الجانب التجاري وفي هذه الحالة نلاحظ طغيان البعد المالي وبعد الربح والفائدة على الصالح العام، أو طغيان الجانب السياسي وفي هذه الحالة تصبح المؤسسة الإعلامية الناطق الرسمي الوفي الملتزم لصاحب السلطة والقرار، وفي كلتا الحالتين تضرب بمواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة عرض الحائط.
لقد راج مفهوم المؤسسة الإعلامية التجارية وأصبح هو المفهوم السائد في معظم المجتمعات، خاصة في المجتمعات العربية ودول العالم الثالث. لكن للمؤسسة الإعلامية شروطا ومستلزمات ومقاييس محددة، فهي تشكل الرأي العام، وإذا كانت مؤسسة تجارية، فهي ذات خصوصيات عامة تأخذ بعين الاعتبار عدة أهداف ومهام. الظاهرة التي انتشرت مؤخرا في بعض القنوات الفضائية العربية وكذلك بعض المطبوعات، خاصة الصادرة في بعض العواصم الغربية، هو التجاهل التام لعدة اعتبارات مهنية وأخلاقية.
فقد أصبح الشغل الشاغل لهذه المؤسسات الإعلامية هو الربح، بغض النظر عن الوسيلة أو الثمن الأخلاقي والقيمي المدفوع. فهل سألت هذه المؤسسات نفسها عن الإضافات التي جاءت بها للمجتمع؟ وما هي مساهماتها في الرصيد المعرفي والقيمي والفكري لأفراده؟
تجدر الإشارة هنا أنه ليس هنالك تناقض بين التجارة والإعلام، فإذا وجدت قوانين وتشريعات، وأهم من ذلك مبادئ وأخلاق، فإن المؤسسة الإعلامية تستطيع أن تكون تجارية وتخدم الصالح العام والمجتمع، عندما لا يطغى الجشع وحب الربح السريع على الأهداف النبيلة والمهنة الشريفة.
إن التاريخ لا يرحم، وسيكشف يوما عن الذين اغتصبوا مهنة الصحافة دون حق، وعن الذين كذبوا على الشعوب والقراء والمشاهدين، وعن الذين خانوا الأمانة؛ وبدلا من الانحياز للحقيقة انحازوا للشعوذة والكذب و«البلطجة»، والتشجيع على الحقد والكراهية ضد الآخر. لقد صدق من قال إن الطبيب إذا أخطأ فإنه يضر بشخص واحد وهو المريض، أما الصحافي إذا أخطأ (شوه الحقيقة) فإنه يضر أمة بكاملها، وأحيانا البشرية جمعاء.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة