قد يكون ما يكتب الآن في بعض وسائل الإعلام الغربية عن تأجيل ديون دبي مفهوما، وهي في هذا لا تختلف عن مضمون الكثير من الكتابات التي جاءت على تحليل اقتصادات بعض دول شرق آسيا إبان أزمة عام 1997.
وهي كتابات قد عابت على هذه الاقتصادات اندفاعاتها ونهوضها السريع، إلا أن هذه الاقتصادات رغم كل ما قيل في حينه عن سقوطها المدوي، أو ما قيل عن أنها «نمور كرتونية» لا تقوى على العواصف، قد استطاعت أن تعيد الحيوية لاقتصاداتها «المعطوبة»، وهو صعود قد بات متماسكا وحثيثا إلى حد كبير، بل بات صعودا عجزت عن تحقيقه بعض الاقتصادات الغربية.
وللأسف الشديد فإن حالة من التشفي قد اتصف بها، وبشكل مثير، بعض الكتابات العربية التي عالجت الحالة. وهي أقلام قد كانت قبل عام أو أكثر قليلا، مأخوذة بحالة النهوض المُتحقق هنا، ليس فحسب من حيث قدرة إمارة دبي على تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وصلت إلى حوالي 5 .7%، والتي مثلت من حيث سرعة نموها، نموذجا وصفته في حينها ذات الأقلام العربية بتعبيرات مجازية أوصله بعضها إلى «المعجزة» الاقتصادية.
وإنما هي كذلك من حيث قدرة هذه الإمارة الناهضة على بناء بنية أساسية عجزت المراكز العربية الكبيرة عن تحقيقها، بل عجز الكثير من العقول عن مقاربة حجم الجهد والزمن الموظف فيها.
لقد لعب الكثير من التغيرات الخارجية والداخلية في تضخيم حجم المشكلة، التي بات الكثير من الدول يعاني منها بشكل أو بآخر، إلا أنها تبقى مع ذلك مشكلة ليست مستعصية على الحل إذا ما توافرت الإرادة والدعم.
فإمارة دبي تمتلك الكثير من المقومات الداخلية الأساسية لتجاوز المشكل، والمُتمثلة أولا في تمتع الإمارة بحالة من الاستقرار السياسي القائم في بعضه على معطيات الشرعية التقليدية والأخرى الحديثة، وثانيا، فإن دبي تمتلك بنية أساسية قلما وجد لها مثيل في جل، إن لم يكن كل أقطار المنطقة العربية والشرق أوسطية. كما أن الإمارة تستند رغم ما قيل، إلى احتياطي نقدي للدولة تقدره بعض الأوساط الاقتصادية بحوالي 300 مليار دولار.
بل إن دراسة حديثة «لبنك عودة» اللبناني، تصف الاقتصاد الإماراتي بالقول: «سيبقى النموذج الإماراتي الديناميكي الحالم صامدا، مستفيدا من مميزاته التنافسية الأساسية التي لا يضاهيها أي اقتصاد في المنطقة».
من ناحية أخرى، فإن اقتصاد دبي يمثل جزءا أساسيا من ثاني أكبر اقتصاد عربي، كما أن الحجم الاقتصادي لإمارة دبي يمثل وحده 160% من الاقتصاد اللبناني. ورغم ما أثير عن حجم الدين وحجم العجز في ميزان المدفوعات، إلا أن حجم الدين العام في حالتنا هذه لا يتجاوز 68% من الناتج المحلي لدولة الإمارات، وقد يرتفع عن ذلك إذا ما قيس على حالة إمارة دبي.
وهي نسبة كما يشير الكثير من الاقتصاديين يمكن إدارتها بسهولة. بل هي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت ببعض الاقتصاديات العربية، والتي يرتفع فيها حجم الدين، كما في الحالة العراقية واللبنانية، إلى ما نسبته 180% من الناتج المحلي الإجمالي، فإنها تبقى مع ذلك نسبة معقولة ويمكن إدارتها بسهولة. (جريدة «الأخبار» ـ 2009122).
ومع ذلك فإن أكثر الكتابات العربية «الشامتة»، والتي جاءت على وصف الظاهرة، قد وظفت كلمة «الفقاعة» لوصف الحالة الاقتصادية المجتمعية للمنطقة. وهو تعبير بقدر ما يحمل قدرا من الازدراء والتشفي، بقدر ما يعبر عن عجز في تحليل الظاهرة وقلة معرفة بالدرجة أو الحالة التي باتت عليها اقتصادات المنطقة، وعمق تشابكها بالاقتصاد العالمي من ناحية، كما يعكس قصورا في الفهم الثقافي والمجتمعي للمنطقة بأسرها.
فظاهرة الصعود الاقتصادي والتغير المجتمعي الذي مرت به المنطقة، ليس حالة فقاعية تنتهي بانفجار الفقاعة أو تلاشيها، بل إنها حالة، رغم اعترافنا بحجم الخلل البنيوي الذي تحمله، إلا أنها حالة قادرة على الاستمرار وإعادة النهوض ولو بعد حين، ثم إنها ليست حالة معطوبة الفكر أو متلاشية الثقافة والحضور المجتمعي، بحيث يمكن أن تتلاشى كمجتمعات بتلاشي «الفقاعة».
فمجتمعات الخليج بشكل عام، تمتلك شبكة من الخدمات الاجتماعية تعد الأكثر تطورا من حيث الكم والنوع في عموم المنطقة العربية، كما أنها بالإضافة لذلك تملك بنية تحتية لم تقاربها أي من البنى التحتية للكثير من أقطار المنطقة.
وهي بفعل ذلك قد تصدرت كل أقطار المنطقة العربية على مقياس الأمم المتحدة للتنمية البشرية في سنواته العشرين الماضية. ثم إن مثل تلك التعبيرات «المتشفية» تحمل قدرا من الشوفينية الاجتماعية والثقافية للآخر والذي باعتباره، نتيجة «لهزال وضعف» وجوده، يمكن أن يتلاشى كالفقاعة الصابونية.
وأعتقد أن الحالة المالية التي يمر بها بعض أقطار المنطقة ليست جديدة، فهي قد مرت بتقلبات اقتصادية شديدة، نتيجة للانهيارات التي تعرضت لها أسعار النفط في الثمانينات والتسعينات، إلا أنها قد استطاعت أن تتكيف مع كل المشكلات الاقتصادية التي مرت بها، وهي قادرة على إعادة الحياة لاقتصادياتها ولو بعد حين.
وخلاصة القول أن تجاوز المُعضل قد يتطلب أكثر من عملية من الإسناد المالي. إنها تتطلب رؤية اقتصادية جديدة تعيد الحياة للرؤى القديمة وتتجاوزها، برؤية تستوعب مكامن الخلل ومواطن الصعود، الذي قد يتطلب اعتمادا أكثر على قدرات الذات وإمكانياتها.
كما قد يتطلب قدرا أكبر من المشاركة المجتمعية التي من خلالها يبدأ المجتمع في تحمل تبعات، ولربما تداعيات النهوض الذي لا يأتي دون المرور بقدر من تذوق طعم مرارة الإخفاق الذي يعلمنا حلو طعم الصعود والنجاح، بل يعلمنا أن التمتع بثمار الصعود قد يتطلب جهدا عقليا وفسحة زمنية وعملا مضنيا، أعتقد أن مجتمعات المنطقة قادرة عليه.
كاتب بحريني
