كارثة قطار موسكو ـ بيتربورج «نيفسكي اكسبريس» الذي انحرف عن مسار السكك الحديدية، ما تسبب في انقلاب أربع عربات، وسقوط عشرات بين قتيل وجريح، فتح من جديد ملفات الإرهاب في روسيا، بعد أن شهدت البلاد مرحلة من الاستقرار.

وكانت النيابة العامة، بعد تحقيقات أجراها ممثل النائب العام في موقع الحادث وسماع أقوال الشهود، أعلنت أنها فتحت ملف قضية جنائية وفق مواد قانون الإرهاب، بعد اكتشاف بقايا متفجرات في مكان الحادث.

وتضاربت المعلومات حول الجهات التي يمكن أن تكون وراء الحادث الدامي، إذ ظهر بيان على الشبكة العنكبوتية عن منظمة قومية باسم «كومبت 18» أعلنت مسؤوليتها عن الحادث، ورصدت وسائل الإعلام تاريخ ونشاط هذه المنظمة التي كانت ترسل بشكل منتظم تهديدات لرجال الأعمال الأجانب وتطالبهم بمغادرة روسيا، وتصدر قوائم سوداء بشخصيات سياسية روسية تنوي المنظمة اغتيالهم بدعوى أنهم يفرطون في السيادة الوطنية.

وبعد أن بدأت التحقيقات الرسمية حول هوية المتورطين في حادثة قطار موسكو ـ بيتربورج «نيفسكي اكسبريس»، ظهرت تصريحات أدلى بها دوكو عمروف أمير ما يسمى ب«إمارة أتشكيريا»، وهو من قيادات الانفصاليين الشيشان، أعلن فيها مسؤوليته عن الحادث، وهدد بتنفيذ عمليات مشابهة. ولم تتعجل أجهزة الأمن الروسية في التعامل مع هذه التصريحات.

ولا شك أن هذه الحادثة التي ترافقت مع تدهور الأوضاع الأمنية في الشيشان، بعد قرار اللجنة الفيدرالية لمكافحة الإرهاب انهاء عملياتها في الشيشان، والذي كان سيعقبه انسحاب عشرين ألف جندي من قوات الأمن الداخلي من الأراضي الشيشانية.

حيث شهد شمال القوقاز وقوع سلسلة من الأعمال المسلحة نفذها المقاتلون الانفصاليون، كان أبرزها تفجير مبنى وزارة الداخلية الشيشانية في غروزني ومبان حكومية أخرى ودوريات الشرطة، إضافة لحركة اغتيالات طالت رئيس جمهورية أنغوشيا وبعض وزراء أقاليم شمال القوقاز.

قيادات إقليم شمال القوقاز وجهت اتهاما للغرب بالتورط في هذه الأعمال، واعتبرته صاحب المصلحة في زعزعة استقرار الأقاليم القوقازية الروسية.

ويبدو واضحا أن تنامي نشاط المجموعات الإرهابية، يرتبط بمصالح قوى أخرى تقوم بتمويل وإعداد هذه المجموعات، ما يطرح تساؤلات جادة عن هوية أصحاب المصلحة الحقيقية في ضرب استقرار الأقاليم الروسية، وإثارة حالة من البلبلة فيها.

وقد نختلف مع مواقف بعض السياسيين الروس الذين وجهوا اتهامات مباشرة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، إلا أننا نرى في بعض البلدان الغربية قطاعات متشددة في الأوساط السياسية، ما زالت تحكمها عقلية الحرب الباردة، وترى في روسيا عدوا تاريخيا لا بد من تصفيته، عبر تجزئة روسيا إلى دويلات على غرار ما حدث في البلقان.

ويخطئ العديد من السياسيين الغربيين في حساباتهم، عندما يضعون الخطط لعزل روسيا وتجزئتها، ليس فقط لأن روسيا قادرة على مواجهة هذه السياسات، وإنما لأن روسيا هي الضمانة الأساسية لاستقرار الأوضاع في مناطق وسط آسيا والقوقاز.

ولعل الدور الروسي في التعامل مع أحدث وادي فرغانة في أوزبكستان، وفى تهدئة الاضطرابات التي شهدتها قرغيزيا قبل أعوام، أبلغ دليل على أهمية الدور الروسي في الإقليم، ناهيك عن دور التقنيات الروسية في النهوض بدول وسط آسيا، وتأمين طرق نقل الطاقة.

بالإضافة لتأمين نقل الإمدادات إلى قوات الناتو في أفغانستان، إذ تعتبر روسيا شريان الحياة الذي تحصل من خلاله هذه القوات على المؤن والذخائر. كما أن روسيا تلعب دورا أساسيا في حماية الأمن الأوروبي والعالمي، من مخاطر النزعات المغامرة لبعض الدول، وتعمل لصالح الحد من انتشار الأسلحة النووية.

إن كل هذه المحاور التي لا يمكن أن يتحقق فيها أي تقدم ملموس لو لم تلعب روسيا دورا مؤثرا، تساوي أكثر بكثير من الهيمنة على منابع الطاقة في وسط آسيا، وتوفر الجهد والتمويل الغربي لضمان حصول المستهلك على احتياجاته من الطاقة.

وقد حان الوقت لتدرك الاتجاهات الغربية المتشددة التي قد يلجأ بعضها لدعم الإرهاب في روسيا، أن تهديد أمن روسيا لن يؤدي سوى لتوتر العلاقات الدولية، وسيضر بالتأكيد المصالح الغربية.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru