تعتبر أطروحات الماجستير والدكتوراه درجات علمية للمتميزين علمياً في تخصصاتهم، ليتولوا مهمة التعليم والبحث العلمي في الجامعات والمؤسسات العلمية وغيرها، كما لهم دور في حركة التنوير والتطور في مجتمعاتهم. ولكن في هذه الأيام تغيرت المعايير وانقلبت على رأسها، فأصبح الحصول على إحدى الشهادتين يتم عن طريق استخدام أساليب ووسائل غير علمية، وغير موضوعية في بعض الجامعات.
فقد لعب ولا يزال المال يلعب دوراً في حصول عدد كبير من أنصاف المتعلمين على شهادة الدكتوراه خاصة، كما أن الواسطة والمكانة الاجتماعية في بلداننا، إضافة إلى تأثير قوى الضغط المباشر وغير المباشر، تؤثر في منح هذه الشهادات، وقد نشرت وسائل الإعلام مؤخراً الكثير عن الشهادات الجامعية وغيرها التي حصل عليها أصحابها من مؤسسات جامعية تجارية ووهمية، همها الحصول على المال مقابل منح تلك الشهادات بدون دراسة!
ومع الأسف الشديد ينسحب ذلك السلوك على الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه. إن عدداً من الجامعات العربية والأجنبية قد منحت الدكتوراه لأناس لا يستحقونها، وخاصة في منطقة الخليج العربي، حيث تتوفر الأموال التي تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في الحصول على تلك الشهادات، إضافة إلى العوامل الأخرى.
إن فشل الذين حصلوا على تلك الشهادات علمياً وثقافياً، يفضح الجامعات التي منحتها قبل أن يفضحوا أنفسهم. والمؤسف ان بعض هؤلاء يقوم بالتدريس في الجامعات والمؤسسات العلمية ويقومون بتعليم أولادنا وبناتنا! ولا أحد يستطيع أن يوقف هذا المسلسل، لأن المعايير لدينا ليست موضوعية بل نمطية، ويلجأ بعضهم إلى الانتداب في جامعاتنا كوسيلة للالتفاف على القواعد والمعايير العلمية.
إن التعليم في دولنا يعيش أزمة حقيقية، فليست هناك دافعية للتعلم، كما أن هناك تسيباً خطيراً في التعليم، وأحد أسباب ذلك هم أولئك المزورون لأن عددهم قد زاد، وانتشرت ظاهرتهم في جامعاتنا وفاقد الشيء لا يعطيه.
فالمتقاعدون من وظائفهم انتسبوا إلى جامعات عربية بدون انتظام للحصول على شهادة الدكتوراه، وكذلك موظفون يعملون أو لا يعملون (بطالة مقنعة) ينتسبون إلى تلك الجامعات بدون انتظام، للحصول على شهادة الدكتوراه! وتلك الجامعات تقبلهم وتمنحهم هذه الشهادة وهم لا يستحقونها، وكل من يسجل لنيل تلك الشهادة يضمن الحصول عليها، فترى موضوعات نمطية ومكررة ومستواها العلمي ضعيف بشكل عام.
إن الفساد الإداري والمالي والقيمى ظاهرة عامة في مجتمعاتنا المعاصرة، وجزء من ذلك الفساد قد تغلغل واستشرى في الجامعات العربية، والكثيرون لا يدركون خطورة ذلك، ولا أحد ـ على ما يبدو ـ لديه الشجاعة لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة. لنتصور شخصاً حصل على شهادة الدكتوراه عن طريق التحايل والرشوة وغيرها، كيف سيتعامل مع المزيفين الحاصلين على مثل هذه الشهادة أمثاله؟ إنه بكل تأكيد سيشجع أصحابها، ويتعاون معهم. إنه لأمر غريب أن تجد كل أطروحات الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا العربية ناجحة، ولم تسجل حالة رسوب واحدة لأية أطروحة!
عندما تستشرى ظاهرة فساد كهذه وعلى هذا المستوى، فإن ثقة الناس ستهتز بالمؤسسة التعليمية ومخرجاتها، كما أن أصحاب شهادة الدكتوراه الحقيقيين الذين حصلوا عليها بجهدهم وبالوسائل العلمية، سيضيعون وسط هذا الزيف الذي تعاني منه جامعاتنا. مما لا شك فيه أنه يتوفر في الجامعات العربية أساتذة تعبوا على تحصيلهم العلمي وبحوثهم، وبذلوا جهوداً للإصلاح، ولكن عناصر وقوى الفساد تهدد وتعرقل تلك الجهود.
إننا فعلاً أمام أزمة لا يرغب الكثيرون في طرحها وتناولها، ولكن إلى متى نضع رؤوسنا في الرمال؟ وإلى متى المجاملة والخضوع للضغوط الاجتماعية على حساب العلم وجودته؟!
إن طرح المشكلة وحده لا يكفي، بل لا بد من جهود مبنية على أسس علمية وموضوعية، لإصلاح هذا الوضع على هذا المستوى، ولتحقيق ذلك نرى الآتي:
أولاً: وضع معايير موضوعية وواضحة لقبول حملة الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا، خالية من الاستثناءات ومنضبطة لا تسمح بالاختراق والتحايل والاستغلال.
ثانيا: أن يكون قرار المؤسسات الأكاديمية أكاديمياً، وعدم تسييسه أو خضوعه للضغوط أياً كان مصدرها.
ثالثاً: عدم الاستجابة للضغط الاجتماعي أو المجاملة والمحسوبية والواسطة، لتمرير أو قبول أي متقدم لنيل الشهادة أو العمل لحملة الشهادات المشبوهة.
رابعاً: وضع عدد من الجامعات التي تتلاعب في منح هذه الشهادات، على قائمة الجامعات غير المعتمدة، وعدم التعامل معها أو تعيين خريجييها أو العاملين فيها من أعضاء هيئة التدريس.
خامساً: إعادة النظر في حملة الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا، بإعادة تقييم شهاداتهم وأدائهم العلمي البحثي والتدريسى.
سادساً: تنبيه طلبة الدراسات العليا والمبعوثين لضرورة الالتحاق بجامعات ذات مستوى علمي مرموق، حتى لا يواجهوا مشاكل في المستقبل تتعلق بمستوى وسمعة بعض الجامعات العربية خاصة.
نعلم أنه بمجرد طرح مثل هذه الإشكالية وهذه المقترحات، ستثار زوبعة في أوساط أولئك الذين نعنيهم بهذا الكلام، اضافة إلى صعوبة تطبيق هذه المقترحات، ولكننا لا نريد وسط ردود الأفعال أن تضيع القضية الأساسية التى نطرحها. وفي كل الأحوال نرى أنه من واجبنا ونحن في الميدان العلمي، ونعاني من ظاهرة شهادات الدكتوراه والأطروحات الهزيلة وكيفية الحصول عليها، أن ننبه إلى وجودها وكثرتها واستمرارها.. وسيقولون أين الدليل؟ عندها لنا حديث آخر.
كاتب كويتي