هل «الحركة الشعبية» الجنوبية في السودان شريك في السلطة أم عنصر من عناصر المعارضة؟
قيادة الحركة تمارس نشاطها على الصعيدين في آن معا. فبينما هي تشارك في تسيير جهاز السلطة الحاكمة المركزية على كافة المستويات العليا والدنيا، فإنها في الوقت نفسه تمارس نشاطا سياسيا على خط موازٍ كعضو في تحالف للمعارضة.
فكيف نفهم هذه الازدواجية؟
للعثور على الإجابة عن هذا التساؤل، علينا أن نستدعي الماضي القريب عندما كانت الحركة خارج الإطار السلطوي، باعتبارها عضوا مع قيادات الأحزاب الشمالية في تنظيم مظلي يمارس المعارضة ضد نظام «الإنقاذ» من خارج الحدود، ذلك كان «التجمع الوطني» الذي جمع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، ومحمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، وغيرهما مع جون قرنق قائد الحركة الجنوبية.
تلك كانت تجربة لا يبدو أن القيادات الشمالية استوعبت درسها. فقد كان قائد الحركة الجنوبية يستغل مجموعة القيادات الشمالية باسم التجمع، لخدمة القضية الجنوبية متظاهرا بشعارات قومية، مثل «مشروع السودان الجديد».
من منظور الحركة كتنظيم جنوبي، لا هاجس لديها سوى الجنوب، وليس هناك فرق بين المهدي والميرغني ونميري وعمر البشير، من حيث أنهم كلهم شماليون يجوز استغلال أحدهم ضد الآخر.
من هنا كانت الاتصالات السرية للحركة، التي انتهت الى اتفاق نيفاشا مع نظام الإنقاذ، من وراء ظهر القيادات الشمالية في التجمع المعارض.
هل يعيد التاريخ نفسه الآن، في ضوء قيام «تحالف جوبا» الذي يجمع مرة أخرى الحركة الجنوبية مع أحزاب المعارضة الشمالية؟
للإجابة على هذا التساؤل، علينا أولا أن نطرح تساؤلا آخر: ما الهدف الذي تريد قيادة «الحركة الشعبية» تحقيقه في المستقبل المرئي؟
الإجابة الواضحة هي فصل الجنوب عن الشمال، لإقامة دولة «جنوبية» مستقلة وذات سيادة على أرضه.
وليس في ذلك ما يستدعي مؤاخذة، فقد ضمن اتفاق نيفاشا لشعب الجنوب حق تقرير مصيره. ولو لم يكن هذا الحق منطويا على خيارين أحدهما الانفصال الكامل، لما كانت هناك حاجة إلى النص عليه في وثيقة الاتفاقية. ولنستذكر ان النص على هذا البند، وضع استجابة لطلب من الحركة في السياق التفاوضي أدى إلى ابرام الاتفاقية.
وكما هو معلوم، فإن استفتاء تقرير المصير سوف يعقد في الجنوب في عام 2011 وفقا للاتفاقية. وجدير بالذكر أن خيار الانفصال صار منذ الآن أمرا حتميا أو شبه حتمي، بعد ان استبقت قيادة الحركة نتيجة الاستفتاء بحث الشعب الجنوبي على دعم خيار الانفصال، وذلك على نحو ما صدر علنا من رئيس الحركة الشعبية الجنرال سلفاكير ميارديت، الذي هو أيضا رئيس الحكم الذاتي في الجنوب.
ولكن هناك تساؤلا آخر: إذا كان أمر انفصال الجنوب بهذه السهولة والحتمية.. وإذا كان الانفصال عن الشمال سيكون تمهيدا لقيام دولة مستقلة لأهل الجنوب، فما الذي يجعل الحركة الشعبية تشغل نفسها بهموم وهواجس المصير السياسي في الشمال؟
عبر «تحالف جوبا»، تطالب قيادة الحركة الآن، في تناغم مع قيادات المعارضة الشمالية، بإلغاء مشروعات قوانين، مثل مشروع قانون الأمن الوطني، لأنه يتضمن نصوصا من شأنها منح ضباط المؤسسة الأمنية المركزية سلطات مطلقة في مجال الاعتقال والاستجواب، مما يتعارض مع التحول الديمقراطي. ومن أجل هذه المطالبة عمدت قيادة الحركة، بالاتفاق مع القيادات الشمالية المعارضة، الى تنظيم مظاهرة في الخرطوم قد تعقبها مسيرات احتجاج أخرى.
الملاحظة بشأن مشروع القانون الأمني صحيحة، لكن ماذا يضير الحركة الشعبية إذا أجيزت مثل هذه القوانين، بينما هي تجري الاستعدادات السياسية لفصل الجنوب وإقامة الدولة المستقلة؟
هناك سر مذاع. أجل.. استقر توجه الحركة على فصل الجنوب، لكن ليس الجنوب بحدوده الجغرافية الرسمية المرسومة.. حدود الأول من يناير 1956، تاريخ إعلان استقلال السودان. إنها تريد أكثر من ذلك. فالحركة تطالب أيضا بأن تضم الى الرقعة الجغرافية للجنوب، ثلاث مناطق شمالية تحاذي الحدود الجنوبية، وهي: أبيي، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق.
مطالبة الحركة إذن بإلغاء القوانين المركزية المقيدة للحريات، هي من قبيل «التكتيك» الوقتي فقط ،من أجل استقطاب دعم أحزاب المعارضة الشمالية ضد سلطة حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم.. الذي هو ايضا تنظيم شمالي. وفي المقابل تتوقع قيادة الحركة الجنوبية من قادة المعارضة الشماليين، تأييد مطالبتها بالمناطق الثلاث المشار اليها.
هكذا تريد الحركة الشعبية إعادة إحياء «التجمع الوطني» العتيق، لضرب القيادات الشمالية على صعيدي السلطة والمعارضة ببعضها البعض، لتحقيق أجندة جنوبية صرف.
والسؤال الذي يطرح أخيرا هو: هل تعي قيادات المعارضة الشمالية أخيرا درس «التجمع الوطني»؟
كاتب صحفي سوداني