من الصعوبة بمكان تجاهل الصعود الصيني الراهن، خصوصا في أعقاب الأزمة المالية الكونية التي بدأت عام 2008. ويدور العديد من التساؤلات حول وضعية الصين في الاقتصاد العالمي، وما إذا كانت تستطيع أن تحافظ على درجة نموها، وأن تواصل تقدمها الصناعي بمثل الوتيرة التي بدأتها. فالحديث الآن عن الصين لا يُعد حديثا عن دولة عادية، بل عن لاعب رئيس في موازين القوى العالمية، إلى الحد الذي يجعل البعض يصفون القرن الحالي بأنه قرن صيني بامتياز.

ومما يُكسب الصين هذا القدر من الأهمية والتأثير، أنه في الوقت الذي تجاهد فيه كل من أميركا والدول الأوروبية من أجل محاولة الخروج من الأزمة الكونية الخانقة، فإن الصين تحاول جاهدة زيادة معدلات نموها الاقتصادي التي وصلت إلى 8% هذا العام، متراجعة عما يزيد على 10% في مرحلة ما قبل الأزمة المالية.

لعبت المركزية السياسية في الصين دورا كبيرا في ضخ ما مقداره 600 مليار دولار في الاقتصاد الصيني عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية، لتعويض النقص العالمي في الطلب على البضائع الصينية، وهو ما ساعد على استقرار الاقتصاد الصيني والحفاظ على معدلات نموه، وهي مسألة يمكن مقارنتها بالحكومة الأميركية التي أخذت شهورا عديدة حتى اتخذت قرارا بالموافقة على تدعيم الاقتصاد الأميركي.

ورغم ذلك فقد كشفت الأزمة المالية عن ضعف واضح في بنية الاقتصاد الصيني، من حيث اعتماده الهائل على استهلاك الأسواق الخارجية، وبشكل خاص ما تستهلكه الأسواق الأميركية، في الوقت الذي أغفلت فيه الصين إمكانية التوسع في الأسواق المحلية، التي يصل عدد المستهلكين فيها إلى ما يفوق المليار فرد.

فطوال العقدين الماضيين كان نموذج التنمية الذي اعتمدته الصين يرتكز بدرجة كبيرة على نموذج التصدير للخارج، وهو نموذج نجح بدرجة كبيرة في رفع معدلات التنمية بشكل غير مسبوق في تاريخ الصين الحديث، كما ساعد على بناء بنية تحتية هائلة دعما لعملية التصنيع والنقل على السواء. لكن من غير المؤكد استمرار هذا النجاح، في أعقاب الأزمة المالية الراهنة والتأثيرات المرتبطة بها.

من هنا فإن الصين تحاول الآن تغيير وضعية السوق الداخلية وتحفيز الصينيين على الإنفاق، وبالتالي تعويض الخسائر المحدودة الناجمة عن انكماش الاستهلاك الخارجي، وهو ما دفع الكثير من القادة الصينيين حديثا للتفكير جديا في إيجاد توازن بين التصدير للأسواق الخارجية وتوسيع حجم الأسواق الداخلية.

وإذا ما استطاعت الصين أن تحقق توسعا في الأسواق الداخلية، فمن المتوقع أن يدفع ذلك إلى التعافي السريع للاقتصاد العالمي من تبعات الأزمة الراهنة والركود المتنامي.

ورغم الطفرة الاقتصادية الهائلة التي حققتها الصين، الأمر الذي جعلها تتجاوز الاقتصاد الياباني ثاني أكبر اقتصاد في العالم هذا العالم، فإنها تواجه العديد من الصعوبات والتناقضات، المرتبطة في الأساس ببنية الدولة الصينية وطبيعة رأسماليتها المركزية والمستبدة في الوقت نفسه. فعلى الرغم من أن الحكومة الصينية استطاعت أن ترفع من مستوى معيشة ما يقرب من 300 مليون صيني، فإن أغلب السكان البالغ عددهم 1300 مليون، ما زالوا يعيشون في ظل ظروف فقيرة. وهي مسألة تعني أن أمام الصين فترات طويلة من أجل تحسين الظروف المعيشية للصينيين، وبشكل خاص في مجال الخدمات الاجتماعية المقدمة لهم من صحة وتعليم وسكن.

إضافة إلى ذلك فإن النموذج الرأسمالي الاستبدادي سوف يخلق تحديات كبيرة على المستوى السياسي، فمن غير المتوقع أن يستمر العمل بهذا النموذج بدون أن يثير تحديات جديدة، مرتبطة بالحريات السياسية وبحقوق الإنسان. ففي ظل الانفتاح الهائل لثورة المعلومات.

وفي ظل التشبيك الكوني الواسع المدى للاقتصاد الصيني، فمن غير المنتظر أن يقبل الصينيون، وبشكل خاص الطبقات الوسطى الصاعدة، استمرارية المركزية الرأسمالية الاستبدادية، حتى لو ارتبطت بمعدلات تنمية عالية. ومن غير الممكن في دولة عريقة في المركزية مثل الصين، التنبؤ بطبيعة مسار التغيرات السياسية التي يمكن أن تحدث فيها.

كما أن الصين تواجه العديد من المشكلات الكونية، وعلى رأسها التغيرات المناخية والتوسع الخارجي. وتلعب الصين دورا مهما جدا بالشراكة مع الولايات المتحدة، في قضايا المناخ والاحتباس الحراري؛ فموقف البلدين سوف يشكل تحديا كبيرا لأية اتفاقية كبيرة مرتقبة في مجال البيئة وتخفيض معدلات الغازات المنبعثة، خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن كليهما مسؤول عما نسبته 20% من حجم الغازات الكونية المنبعثة. وإذا لم يتفق البلدان على تخفيض هذه النسبة، فمن المتوقع فشل مؤتمر البيئة المنعقد في كوبنهاجن الآن.

إن أمام الصين العديد من المعضلات الكبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعديد من القضايا الكونية، مثل البيئة والتلوث والانفتاح على العالم الخارجي. وبقدر ما سوف تنجح الصين في مواجهة هذه القضايا على المستويين الداخلي والخارجي، بقدر ما يمكن للعالم أن يتقدم ويتجاوز مشكلاته الكونية، والعكس أيضا صحيح.

فما هو المصير المرتقب للصين؟ سؤال يبقى في طيات القرن الواحد والعشرين، وفي أعماق الإمبراطورية المليئة بالغموض والأسرار!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com