بعد أن أعلن رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين، خلال الخط التلفزيوني المباشر مع المواطنين، أنه يفكر في مسألة المشاركة في انتخابات الرئاسة الروسية عام 2012، أدلى الرئيس الروسى ديمترى مدفيدف بتصريح في روما، عقب مباحثاته مع رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني، أعلن فيه «بوتين قال إنه لا يستبعد إمكانية ترشيحه في الانتخابات المقبلة سنة 2012، وبودي القول إنني لا أستبعد أنا أيضا مثل هذه الإمكانية».

ولا شك أن هذه التصريحات أثارت اهتمام الرأي العام والنخب السياسية في أوكرانيا والغرب، انطلاقا من قناعة النخبة السياسية في أوكرانيا بأن روسيا فلاديمير بوتين، تعبر عن اتجاه معارض لبرنامج البرتقاليين الأوكرانيين، خاصة أن بوتين أعلن خلال حديثه للمواطنين، أن بعض السياسيين في السلطة الأوكرانية يحاولون استغلال المشاكل القائمة في هذا البلد لنسف صرح العلاقات الروسية الأوكرانية.

وأشار إلى أنه لا يدعم ترشيح رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو لمنصب رئاسة الجمهورية في أوكرانيا، على الرغم من العمل المثمر معها على صعيد الحكومتين الروسية والأوكرانية.

وأضاف أنه على الصعيد الحزبي تشكلت علاقات متميزة بين حزب «روسيا الموحدة» الذي يرأسه بوتين، وحزب الأقاليم الأوكراني برئاسة فيكتور يانكوفيتش، ما يعنى بين السطور، انه يساند يانكوفيتش في انتخابات الرئاسة القادمة. ويبدو واضحا أن دوافع بوتين لمساندة زعيم حزب الأقاليم، تكمن في مساعي البرتقاليين للتقارب مع الغرب والانضمام للناتو.

غير أن مواقف مدفيدف لا تختلف كثيرا عن مواقف رئيس حكومته إزاء هذا الملف، ولعلنا نذكر أن الرئيس الروسي منذ عدة شهور وجه رسالة حادة إلى الرئيس فيكتور يوشينكو، تضمنت اتهاما للقيادة الأوكرانية بتجاهل مبادئ معاهدة الصداقة والشراكة التي وقعت عام 1997.

رسالة مدفيدف تضمنت نقاطا محددة تعتبرها موسكو أسبابا لتدهور العلاقات بين البلدين. أولى هذه النقاط، هي أن أوكرانيا كانت أحد مصادر تزويد جورجيا بالأسلحة، وأنها لا تنوي التوقف عن ذلك، أما البند الثاني فكان مساعي القيادة الأوكرانية لضم أوكرانيا لعضوية حلف الناتو، خلافا لإرادة الشعب الأوكراني.

كما اعتبر مدفيدف أن القيادة الأوكرانية تعمل على تعقيد عمل أسطول البحر الأسود الروسي في سيفاستوبول. وأضاف أن كييف تسعى لقطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، وخاصة في مجال الطاقة، مما يهدد استقرار استخدام شبكة أنابيب نقل الغاز المشتركة، التي تضمن أمن الطاقة في روسيا وأوكرانيا والعديد من الدول الأوروبية.

أما بالنسبة للآمال المعلقة على فكرة أن مدفيدف أقرب للغرب من بوتين، فلا بد من الإشارة إلى ان فيها بعض المبالغة، لأن الرئيس الروسي الحالي بدأ حكمه بالحرب القوقازية التي مكنت روسيا من تحجيم النفوذ الأوروبي والأمريكي في منطقة القوقاز، وبضربة سريعة اثبتت روسيا أنها صاحبة الكلمة الأخيرة في هذا الإقليم، وهو ما كان محل نزاع وشد وجذب في فترة رئاسة فلاديمير بوتين.

وحيث تمكنت واشنطن في تلك الفترة من بسط نفوذها عبر تنصيب ميخائيل ساكاشفيلي رئيسا لجورجيا، ما اعتبر انتصارا غربيا وتقليصا للنفوذ الروسي آنذاك. ثم جاءت الحرب القوقازية صيف عام 2008، لتنهي أسطورة النفوذ الغربي في القوقاز.

وقد يكون من الخطأ تصوير بوتين على انه خصم للولايات المتحدة، بينما مدفيدف صديق لواشنطن. لأن بوتين منذ دخول القوات الأمريكية للعراق، أعلن أن هزيمة القوات الأمريكية هناك هي هزيمة لروسيا.

كما انه أعلن خلال حديثه التلفزيوني المباشر أن «الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الدولة العظمى الأولى في العالم، اقتصادياًً، والتي تربطها بروسيا علاقات كثيرة، إذ تعد واحدا من أهم شركائنا». بل انه أعرب عن رغبته في لقاء «جورج بوش» الذي وصفه بأنه «رجل أمين مخلص ورفيق طيب».

لذا يصعب القول إن بوتين ومدفيدف يمثلان فريقين مختلفين، إلا أنهما قد يمثلان مجموعات تختلف رؤيتها التكتيكية، تعمل ضمن فريق عمل واحد، لديه رؤية استراتيجية واحدة.

ولا شك ان هذا لا يلغي المنافسة وتباين الآراء بينهما، إلا انه لا يعني أننا سنشهد خلافا أو اختلافا جذريا في السياسات الخارجية أو الداخلية من هذا الطرف أو ذاك، وهو ما لمسناه خلال العامين الأخيرين في ظل رئاسة مدفيدف. قد تتعدد الطرق، لكنها تسير كلها نحو تحقيق نفس الهدف.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru