قرار منع بناء المآذن الذي اقترعت أغلبية من السويسريين لصالحه يوم 29 من الشهر الماضي، لم يأتِ من الفراغ. ولكنه تعبير «متطرّف» عن حالة من الحذر قائمة في أوروبا اليوم حيال مسلميها.
ويكفي إلقاء نظرة على عدد من استطلاعات الرأي في عدد من البلدان الأوروبية، لملاحظة أن هناك نسبة هامّة من مواطنيها المعنيين قد يذهبون إلى هذه الدرجة أو تلك، في نفس الاتجاه الذي ذهب إليه السويسريون.
هذا كله صحيح، لكن لا ينبغي مع ذلك التسرّع والقول إن السويسريين أو الفرنسيين أو غيرهم من الأوروبيين، عنصريون ضد المسلمين. ورغم كل ما تردد بهذا المعنى في إطار الصورة المقدّمة، فلا شيء يسمح بالقول إن ما يزيد على 300 ألف مسلم يعيشون في سويسرا ـ أغلبيتهم من بلدان البلقان وتركيا ـ يعانون من الاضطهاد والتمييز، فهم يتمتعون، كما تدلّ مؤشرات عديدة، بدرجة عالية من الاندماج في المجتمع السويسري.
أين المشكلة إذن؟!
إن اقتراع أغلبية الناخبين السويسريين لصالح منع بناء المآذن، يعود بدرجة كبيرة منه إلى الصورة التي يعرفون بها الإسلام، عبر شاشات التلفزيون وفي وسائل الإعلام. إسلام العنف واضطهاد المرأة وطالبان وتفجيرات 11 سبتمبر 2001، وفي المحصّلة ارتبطت صورة الإسلام لديهم بالعنف والارهاب.
هذه هي الصورة المستبطنة والمتبلورة في وعي، ولا وعي، شريحة كبيرة من مواطني أوروبا والغرب عامّة. والنتيجة هي تعاظم مشاعر الخوف من الآخر، الأجنبي، وفي السياق الراهن، المسلم. بالطبع هذا لا يلغي كلّه واقع أن اقتراع السويسريين، ينافي أبسط قواعد حقوق الإنسان والديمقراطية.
هذا أيضاً في ظلّ غياب أي نقاش عام يقدّم فيه العارفون بالمعتقد الإسلامي، صورته كما هو على حقيقته، وحيث لا تقوم الأحزاب والقوى السياسية في سويسرا، وفي غيرها من البلدان الأوروبية، بالدور المطلوب منها في هذا الصدد، ولم تمارس وسائل الإعلام مهمتها في «تنوير» الرأي العام حول مسألة بهذه الدقّة.
لعلّ الأمر يتعلّق أوّلا وأساسا بسطوة مجموعات ضغط لا تريد ذلك، لغاية في نفسها. وما هو واضح وضوح الشمس في يوم مشرق، هو أن مجموعات وأحزابا سياسية يمينية متطرّفة «محافظة جديدة»، تستغل أجواء الخوف لغايات انتخابية.
هذه الضجّة لها أيضاً وجهها الآخر. إنها تدلّ على تنامي حضور المسلمين في أوروبا، في الحياة السياسية للبلدان التي يتواجدون فيها. وفي بلد مثل فرنسا، كانت وزيرة العدل حتى فترة قريبة من أصل مغربي ـ جزائري. لقد أصبحوا يشكلون وزنا انتخابيا يحسب الساسة له حسابا، فكل مواطن يعني صوتا في صناديق الاقتراع.
في كل الحالات، أصبحوا رهانا جعلته بعض الأحزاب في صميم برامجها الانتخابية. هذا الرهان يتم طرحه بقوالب متنوّعة، أحيانا باسم الهجرة والمهاجرين، وأحيانا أخرى باسم حماية الهويّة الوطنية ونقائها.
لكن يبقى الهدف واحدا، وهو القول بأن المواطنين ـ فما بالك بالمهاجرين ـ من أصول أجنبية، أي ما يعني من المسلمين أساسا في السياق الراهن، يشكّلون فئة خاصّة، مع ما يتضمّنه هذا من خرق لمبادئ الحريّة والمساواة والإخاء، التي ترفعها الديمقراطيات الأوروبية بأشكال مختلفة.
بقي القول إن الآراء التي جرى طرحها في أوروبا حيال الاقتراع السويسري بمنع بناء المآذن، صبّت عامة في اتجاهين أساسيين. اتجاه يمثّل أغلبية الآراء، ويؤكّد أصحابه على حق المسلمين في التمتع بكامل حقوقهم العقائدية، أسوة بباقي المواطنين من الانتماءات الدينية الأخرى. ولم يتردد البعض في الحديث عن «الاقتراع المثير للخجل»، الذي جنحت إليه أغلبية من السويسريين.
واتجاه آخر، يمثّل أقليّة الآراء، ويؤكّد أصحابه على ضرورة احترام الإرادة الشعبية مهما كانت الوجهة التي تعبّر لصالحها. بل وذهب البعض أبعد لـ"تحيّة مقاومة الشعب السويسري»، كما جاء في عنوان مقال رأي في صحيفة «الفيغارو» الفرنسية بتاريخ 4 ديسمبر الجاري.
في المحصّلة، من الواضح أن هناك مشكلة، وأن هناك من يحاول دفعها في اتجاه التطرّف والمتطرفين. هذا في الوقت الذي ينبغي فيه الابتعاد تماماً عن منطق صدام المعتقدات، الذي قد يُشعل الحريق الكبير.
المسلمون في أوروبا أصبح لهم مكانهم ومكانتهم في نسيج مجتمعاتها، التي تعرف مرحلة من «التمازج» الجاري منذ زمن والمتعدد الأشكال. إن مثل هذه المراحل لها دائما أزماتها وتشنجاتها وزوابعها. قد تكون هناك خطوة إلى الوراء، لكن المهم هو السير خطوتين إلى الأمام.
كاتب سوري ـــ باريس