رجب طيب اردوغان في واشنطن، وخيل الدبلوماسية التركية تعدو صوب الشرق العربي والإسلامي غير ملتفتة لمشجب الماضي الاتاتوركي الذي يحرم هذا التواصل على قاعدة الانسلاخ من كل الإرث العثماني، ألم يقل كمال اتاتورك في غفلة من الزمان» خير لتركيا ان تكون في مؤخرة الدول الأوروبية من أن تكون في مقدمة الدول الاسلامية».
اذن هو أوان الرشاقة التركية بامتياز، وكأني باردوغان أدخل كلمة شرق أوسط إلى محرك البحث جوجل، وأخذ حزمة من همومه ليوزعها على أجندة اهتمامات حكومته، ليس بحثا عن الحسنات بتضميد الجراح النازفة، بل أيضا بحثا عن موقع ارتكاز يتم من خلاله توصيل رسائل ذات نكهة خاصة، ويبدو ان عقيدته السياسية توصلت إلى قناعة تامة مفادها انك يا تركيا إذا أردت التفاتة اهتمام من الغرب، فعليك أنت ان تلتفت بعناية إلى الشرق.
نلاحظ ان تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية تؤدي دور الوسيط من خلال العزف على وتري الأمن الذي تريده دول المنطقه، والاستقرار الإقليمي الذي تتمناه واشنطن مرحليا في عهد أوباما، ومن ثم تمارس أنقرة دورها الجديد بصيغة تغلب عليه مسحة ضمير، وحياد ايجابي في الوقوف مع حقوق دول المنطقة، وهي تبتعد بذلك عن دور الوسيط الناقل للرسائل إلى دور الدولة التي ترسم لنفسها ملمح الزعامة في الشاغر الذي خلفه غياب الدول القائدة، وهذا ما نلمسه من موقفها من اسرائيل بعد عدوان غزة.
وكذلك تعاملها الحريص مع الملف النووي الإيراني، ولذا لا غرابة تماما من إعلان أردوغان من واشنطن على القيام بدور الوسيط بين الغرب وطهران وبقبول من الطرفين، بل لقد أظهرت الإدارة الاميركية امتنانا لافتا لهذا الدور، ليس حبا في جلباب تركيا الجديد، بل كسبا للوقت بإعطاء ادوار للبطولات الثانوية لإطالة أمد العرض.
الأوراق التركية التي يحملها اردوغان معه في جولة واشنطن تستند إلى استقرار داخلي، وانجاز اقتصادي، ومساندة شعبية لولا غصة حزب العمال الكردي، إضافة إلى أوراق خارجية تبدأ من دمشق، وقد لا تنتهي عند أفغانستان، حتى قال مسؤول أميركي « لا يوجد شأن اقليمي لا تلعب فيه تركيا دورا يزداد أهمية«.
من مفارقات الأحداث ان هذا التحرك الدبلوماسي المتين لاردوغان ورفاقه يأتي متزامنا مع استدعاء ثلاثة من جنرالات الجيش السابقين، بتهمة الإعداد لانقلاب على الحكومة المنتخبة، في سابقة تعد الأولى في تاريخ الجمهورية. وهذا ما عبر عنه أحد الكتاب العلمانيين بقوله إن « تركيا كانت دائماً توصف على أنها ديمقراطية جريحة، اليوم يعلو القانون، وإذا سارت هذه العملية بطريقة سليمة فإنها ستشكل رادعاً لمن قد يفكر في القيام بانقلابات عسكرية».
