لسنا منعزلين عن العالم، ولا نعيش في جزر منعزلة ضمن أسوار تاريخية تحجبنا عن واقع أهل الأرض، بل نحن جزء من هذا العالم، وليس جزءاً عادياً، بل هو جزء فاعل بقوة في كل العلاقات وعلى مختلف الصعد، ولذلك لم نكن بمنأى عمّا تعرضت له دول العالم كافة، جراء الأزمة المالية العالمية التي لم يسلم منها بلد صغيراً كان أو كبيراً.

ولا نستغرب تعرضنا مثل غيرنا لتأثيرات الأزمة التي يبحث العالم الآن عن حلول ناجعة لتجاوزها، ولا بد أنه سيتجاوزها، ونحن في دبي ودولة الإمارات عموماً، كما كنا جزءاً من المتأثرين بالأزمة، سنكون بلا شك مشاركين في تجاوزها وسنخرج بإذن الله أقوى مما كنا عليه قبلها.

ولكن ما نستغرب منه هو ذلك التهويل الإعلامي الفج من خطوات اتخذتها إحدى أكبر شركات دبي بإعادة جدولة ديونها، وكأنها أعلنت إفلاسها، مع أن أغلب الشركات الكبرى حول العالم قد اتخذت هذه الخطوة ولم تتعرض لتلك الهجمات الإعلامية الفجة، التي هوّلت المسألة وبدأ الناعبون يكيلون التحليلات المختلفة، ويضربون في النجوم ويرمون بالغيب لاستشراف مآل دبي!

لقد تعامل بعض الإعلام العالمي مع إعلان دبي عن إعادة هيكلة شركة «دبي العالمية» وتأجيل ديونها لستة أشهر، وكأنه حدث فريد من نوعه لم يشهده الاقتصاد العالمي، فيما تؤكد الوقائع المتتابعة منذ تفجر الأزمة المالية، أن إعادة الهيكلة وما يقترن بها من تأجيل الديون، هي الإجراء الطبيعي الذي تتخذه مختلف دول العالم وفي مقدمتها الدول المتقدمة، لمعالجة وضع شركاتها التي تعاني صعوبات مالية نتيجة الأزمة.

ولا يماري إلا الجهول في أن اقتصاد دبي يتمتع بأسس قوية ومتينة، تمكنه من مواجهة مختلف التحديات والوقوف بقوة أمامها، وإثبات جدارته في الريادة الاقتصادية في المنطقة، لما يتمتع به من مرونة فائقة شهد لها الجميع، ويشهد لذلك العديد من المشروعات والشركات الناجحة التي لا تزال تقوم بأعمالها وأنشطتها في مختلف الميادين.

كما أن اقتصاد الإمارات واقتصاد دبي وحدة واحدة متكاملة يتمتع بقوة ونمو جيد، حيث يسير جميع المظاهر والأنشطة الاقتصادية في الإمارة وفق خطط أعدت مسبقاً، ولن تثنيها أي أزمة عن مواصلة نجاحها بإذن الله.

ويشهد القاصي والداني بأن دبي نجحت في أوقات سابقة، في سداد جميع التزاماتها المالية وهي لا تزال قادرة على الوفاء بذلك، وعندها سيعلم الشامتون أن كبوة الجواد في الميدان لا تعني خسارته السباق، وإذا كانوا لا يعرفون هذه الفلسفة ولا يدركونها، فنحن في دبي أبناء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي الفارس الكبير، نعرف هذه الحقيقة ودرسناها ووعيناها على يديه.

وقد تعاملت دبي بشفافية مع هذه الأزمة منذ البداية، لأنها تدرك أن الأزمات لا تواجه إلا بأعين مفتوحة وقلوب ثابتة لا تتزعزع، وما قرار إعادة جدولة الديون إلا تماشياً مع مصداقية الوفاء والالتزام التي عرفت عن دبي،.

وذلك ما أكده سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية في دبي بأن «هذا القرار يعد قراراً تجارياً منطقياً، حيث نسعى لأن تكون جميع الموارد مسخرة، مع الإدراك الكامل بضرورة استخدامها لتعزيز أعمال مجموعة دبي العالمية، وذلك استناداً إلى عملية إعادة الهيكلة التي تجرى حاليا وكذلك لضمان نجاح أعمالها على المدى الطويل».

وقد حدد البيان الصادر عن حكومة دبي حول عملية إعادة الهيكلة، أهداف هذه العملية بوضوح، وهي تتمثل في «معالجة التزامات الديون الحالية لمجموعة دبي العالمية، وتحسين كفاءة الأعمال في المستقبل إلى المستوى الأمثل».

وإذا كانت الأزمة قد ضربت أطنابها في شرق الأرض وغربها وأقلقت العالم وأخافت الكثيرين، فإن النفوس العظيمة لا تخيفها نوائب الدهر، وستكون دبي قادرة على الثبات ودوام الوقوف على قاعدة صلبة، تؤسس لها ثقة أبنائها بها ثم ثقة المخلصين من حولها، وإن أيادي العطاء التي عرفها الزمان من دبي وأهلها وأرضها التي احتضنت الغرباء والمستثمرين والضيوف، وفتحت قلوب أهلها بأصالة المنبت وجود الأرض الطيبة وامتداد الأيادي الخيّرة..

كلها علامات على حسن المآل، ونحن بإذن الله ثم بحكمة شيوخنا الكبار وبالتفافنا حولهم بقلوبنا، قادرون بلا شك على تجاوز الأزمة، وتاريخ دبي المشرق يشهد لحاضرها ومستقبلها.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

nooraalswidi@yahoo.com