رغم أن الحديث هذا الأسبوع منصب على «رفض» الدول النامية المبكر لبعض ما سوف يناقش في كوبنهاغن، فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي لعبت تاريخياً دوراً بالغ السلبية في إيجاد الحلول لظاهرة التغير المناخي.

والمفارقة في الواقع هي أن أميركا التي فيها واحدة من أهم وأقوى حركات البيئة في العالم، هي نفسها التي وقفت طوال العقد الماضي عقبة كؤودا في سبيل التوصل لاتفاقات دولية في هذا الصدد.

والمفارقة الأكبر هي أن أميركا في عهد أوباما، لا تزال في الواقع تجر العالم كله إلى أسفل من حيث جوهر الالتزامات وسقفها. حتى ما أعلنه أوباما من التزام بتخفيض انبعاثات الغازات وهللت له الصحف الأميركية، باعتباره «المرة الأولى التي تطلق فيها أميركا مثل ذلك الالتزام»، كان في جوهره ومضمونه عديم الجدوى.

ومن المفارقات الجديرة بالتأمل حقا، أن تخفيض سقف التوقعات هو في الواقع عنوان مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي المنعقد هذا الأسبوع في كوبنهاغن.

فقبل أن ينعقد بأكثر من أسبوعين كاملين، كان رئيس وزراء الدانمارك يعلن أن الخلافات بين الدول المشاركة، لا تزال عميقة بما يستحيل معه التوصل لمعاهدة دولية جديدة لتحل محل اتفاق كيوتو، وأن كل المأمول أن يصدر المؤتمرون بيانا سياسيا «مؤقتا» يحظى بالتوافق، يتعهدون فيه بالعمل جديا للتوصل لاتفاق لاحقا.

وجوهر الخلاف الحالي له علاقة وثيقة بطبيعة مشكلة التغير المناخي. فالتغير المناخي مصدره انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون. وقد ارتفعت معدلات انبعاث تلك الغازات بدرجة مذهلة، مع الثورة الصناعية التي اعتمدت على مصادر الطاقة الحيوية كالفحم والبترول.

ومن هنا ازدادت نسبة تلك الغازات في الجو، من 278 وحدة في المليون قبل الثورة الصناعية، إلى 390 وحدة في المليون في الوقت الراهن. ويؤدي الارتفاع المطرد لانبعاث الغازات إلى تحولات مناخية سلبية، فالارتفاع في درجات حرارة الجو ولو بأقل من درجة واحدة مئوية، تنتج عنه تحولات بيئية خطيرة، من التصحر والجفاف إلى الفيضانات، وما ينتج عن كل ذلك من كوارث طبيعية وبشرية.

وقد كان آخر ما توصل إليه العلم، هو ما نشره العالم جيمس هانسن في دراسة أكدت أن العالم لا يحتمل ارتفاعا في درجات الحرارة يزيد عن درجة ونصف الدرجة على الأكثر، ومن ثم لا بد من تخفيض نسبة انبعاث الغازات إلى 350 وحدة في المليون.

وهو ما يعني ضرورة تخفيض نسبة الانبعاث بمقدار ما بين 25% و40%، عن مستوى انبعاثها في العام 1990 والخلاف الدولي في جوهره خلاف بين دول الشمال ودول الجنوب.

فرغم أن دول الشمال الصناعية هي المسؤولة ـ عبر عقود من التصنيع ـ عن التغير المناخي، فإن الأضرار الناتجة عن تغير المناخ تبرز بشكل أكبر في الجنوب. بل إن الدعوة لتخفيض انبعاث الغازات المسببة للتغير المناخي، تعني حرمان الدول النامية من فرصة التصنيع نفسها التي تمتعت بها الدول المتقدمة في زمن مضى، وعبر استهلاك مصادر طاقة رخيصة نسبيا هي التي ينتج عنها انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

لكن الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تريد أن تلزم نفسها بأي تخفيض في نسبة انبعاث الغازات، إلا إذا تعهدت الدول النامية بالتزامات مماثلة. أما الدول النامية فتصر على أن الدول الغنية المتسببة في المشكلة أصلا، عليها تحمل مسؤوليتها بالالتزام بتخفيض أكبر، بل والالتزام بتقديم مساعدات مالية للدول النامية، لتتمكن من التحول لمصادر طاقة بديلة تساعدها على المضي قدما في التنمية والتصنيع.

غير أن الولايات المتحدة على وجه الخصوص، عليها المسؤولية الأكبر على الإطلاق. فهي أكثر الدول انتاجا لغاز ثاني أكسيد الكربون. صحيح أن الصين اقتربت خلال العامين الأخيرين من الولايات المتحدة، إلا أن الأخيرة تظل هي الدولة التي تنبعث منها النسبة الأكبر من ثاني أكسيد الكربون، إذا ما قورن بعدد السكان. لكن السنوات الماضية شهدت صعودا لحركة عالمية، استطاعت أن تبلور مطالب محددة تبنتها على الفور دول أميركا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء.

ويطالب هؤلاء الدول الغنية بدفع «تعويضات» مالية لدول الجنوب، تساعدها على التكيف مع التغيرات المناخية، فضلا عن مساعدات مالية وتكنولوجية للتحول للطاقة البديلة، كالطاقة الشمسية والنووية.

ووفق تقديرات البنك الدولي فإن تلك التعويضات حتى تكون ذات جدوى للدول النامية، لا بد أن تكون بمتوسط 100 مليار دولار سنويا، أما المساعدات المالية والتكنولوجية فقد تم تقديرها بحوالي 600 مليار سنويا. إلا أن دول الشمال الغنية ترفض تماما فكرة التعويضات، وترفض إلزام نفسها حتى بتخفيض ذي جدوى لانبعاث الغازات.

ومن هنا كان الدور الأميركي بالغ السلبية. فأوربا واليابان على استعداد لاتخاذ خطوات جريئة، لو أن الولايات المتحدة الأميركية قامت بالمثل. إلا أن أميركا أعلنت أنها على استعداد لتقديم ما قيمته 5, 1 مليار فقط، وهو مبلغ بالغ الضآلة مقارنة بالتقديرات الدولية المحايدة.

غير أن الأهم من هذا هو ما أعلنه أوباما من التزام الولايات المتحدة حول تخفيض انبعاث الغازات، إذ أعلن أن بلاده ستلتزم بتخفيض يصل إلى 17% عن مستوى عام 2005، وهو في الواقع بمثابة نكسة للجهود العالمية، لا خطوة إيجابية كما زعمت الصحف الأميركية. فالمطلوب كما سبقت الإشارة، تخفيض بنسبة 25% على الأقل عن مستويات عام 1990، لا عام 2005!

غير أن الأسوأ من هذا وذاك، هو أن نسبة ال17 التي تعهد بها أوباما قد لا تلتزم بها أميركا، إذ إن هناك معارضة شرسة داخل الكونغرس الأميركي لمثل ذلك التخفيض.

ولأن جوهر الخلاف حول التغير المناخي هو في الحقيقة من الذي يتحمل تكلفة تدهور المناخ، ومن يتحمل تكلفة إصلاحه، فإن الموقف الأميركي يجر الجميع إلى سقف أكثر انخفاضا في التعامل مع المشكلة.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com