ما أشبه اليوم بالأمس. هل تذكرون «الفوضى» الإعلامية التي تبعت مباشرة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؟ كيف تناقلت وسائل الإعلام العالمية آراء وتحليلات المحافظين الجدد في واشنطن وخارجها تجاه العرب عموماً والسعوديين خصوصاً؟

وفي المقابل، كيف سيطر الرفض العربي لأية مسؤولية عربية مما حدث في نيويورك، وتسابق صناع الخطاب الإعلامي العربي ـ حينها ـ على ابتكار أشكال جديدة لنظرية المؤامرة، وأقسم بعضنا أن العرب ابرياء مما حدث حينها في نيويورك براءة الذئب من دم يوسف؟ هل التاريخ القريب ـ مثل البعيد ـ يعيد أحياناً نفسه؟

كيف لا يكون الإعلام عندنا صناعة محترفة، خاصة وقت الأزمات؟ إن كان الإعلام نفسه يعد نصف المعركة في بعض الأزمات، فإنه في أزمات أخرى يعد كل المعركة!

منذ إعلان مجموعة دبي العالمية عن جدولة ضرورية لديونها المستحقة خلال شهر ديسمبر الحالي وتأجيل السداد لمدة ستة أشهر، أرصد يومياً عشرات المقالات والتحليلات عن الحدث في مواقع إعلامية غربية وشرقية متنوعة، والقاسم المشترك في أغلب تلك التغطيات هو الجهل بحقيقة الوضع في دبي. فتأجيل القسط المستحق من ديون دبي العالمية، يبرز كما لو أن اقتصاد دولة نفطية قوية وإمارة تملك أحدث وأفضل بنية تحتية، على وشك الإنهيار.

والمدينة الساحرة التي تغنى بها كتاب وصحافيون من ذات المؤسسات الإعلامية، تصور اليوم كما لو أنها على أبواب الزوال! ولم يبق أن ترمى مسؤولية الأزمة المالية العالمية وكل مشكلات العالم الاقتصادية، على دبي وعلى حاكمها الذي ـ إلى وقت قريب ـ نادراً ما خلت قائمة من قوائم الأكثر تأثيراً في العالم من اسمه. وكيف يختزل اقتصاد إمارة مهمة، حققت ريادة عالمية على أكثر من صعيد، في قسط مستحق من ديون واحدة من شركاتها؟

يا سبحان الله؛ لماذا تتسابق الصحف البريطانية تحديداً على رسم صورة قاتمة لدبي ومستقبلها وقيادتها، مع تهويل ظالم لمشكلة ديون دبي وتشويه واضح لكل بعد جميل في تجربة دبي التنموية؟ ولماذا يتسابق كثير من الكتاب العرب والأجانب في سرد قوائم من الأخطاء التي صاحبت تجربة البناء الضخم في دبي وكأنهم أتوا بما لم تأت به الأوائل؟

من زعم أن تجربة عملاقة كتجربة دبي لم تخل من أخطاء؟ بل إن من يبحث في أرشيف ما كتب عن دبي في السابق ـ وبأقلام أهل دبي وغيرهم من المخلصين في حبهم لدبي ـ يمكنه رصد العشرات من المقالات التي نبهت لكثير من الأخطاء التي رافقت التجربة على مر العقد المنصرم. وهناك (من أبناء دبي تحديداً) من رأى في الأزمة العالمية فسحة للتأمل في التجربة، و«وقفة مع النفس» لأخذ نفَس لتقييم التجربة ورصد أخطائها قبل أي انطلاقة قادمة.

لكن الحقيقة المزعجة، في المقابل، هي أن دبي في تعاطيها الإعلامي مع هذه الحملة العنيفة ضدها، تحتاج لأكثر من وقفة. كان وما زال ضرورياً أن ترافق جدولة ديون دبي العالمية «خطة إعلامية» شاملة، تهيئ للرد المهني والعقلاني والواقعي على كل ردات الفعل الإعلامية على إعلان دبي العالمية، بلغة قوامها الصراحة والمنطق.

ومن يتحدث عن تجربة دبي العملاقة لديه عشرات الشواهد على تميز دبي وأهميتها الإقليمية والعالمية، ليس فقط على صعيد السياحة، ولكن على أصعدة أخرى، من أهمها انها اليوم عملياً من أهم قوى التغيير الإيجابي في منطقة الشرق الأوسط.

ما ذا فعلت كل خطابات السياسيين في أمريكا ممن نادوا بالإصلاح في العالم العربي، مقارنة بما تحدثه دبي من تأثير إيجابي على آلية التفكير ونمط الحياة العصرية والحريات الشخصية، على مستوى المنطقة كلها؟ أين هذه الصورة الإيجابية الحية من التعاطي الإعلامي مع دبي هذه الأيام؟ ولماذا لم تسأل وسيلة إعلامية، عربية أو دولية، عن معنى أن تكون نسبة الإشغال في فنادق دبي على مدى إجازة عيد الأضحى الأخير 100%؟ ما معنى ذلك في حسابات الاقتصاد، والأهم في حسابات الحراك الاجتماعي والثقافي لدول المنطقة؟

ما كان لإعلام دبي أن يغفل كل الحقائق الإيجابية للدور الذي تلعبه دبي عربياً وعالمياً، لولا أن دبي على مدى عقدين لم تتعود إلا على صورة في غالبها إعجاب وانبهار بتجربة البناء وسرعة المنجز. من حق دبي أن تسأل بدهشة: لماذا هذا النكران لدورها الريادي خارج دائرة الأرقام والديون والأزمات الاقتصادية المعتادة لدى الدول الحية؟ يا إلهي: ألم نسأل عن دلالات أن تثير جدولة ديون شركة واحدة في دبي، كل العالم وتصبح دبي هي حديث السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين في العالم كله؟

من هنا لا بد لدبي أن تضع «استراتيجية» إعلامية شاملة، وفق أدوات مهنية دقيقة، للتعاطي إعلامياً مع صورتها في العالم، حفاظاً على مصداقيتها ومكاسبها الكبرى التي بنتها على مر السنوات الفائتة.

نستطيع أن نعد قائمة طويلة بأخطاء كبيرة رافقت مرحلة البناء السابقة، لكن الصورة الكاملة للمنجز في دبي أكبر وأولى بالإبراز، خاصة في وقت كثر فيه من يبحث عن الخطأ، كي يمارس الشماتة وتصفية الحسابات مع تجربة أحرجت الكثيرين بما بنته من «بنية تحتية» حديثة ونمط حياة عصري فاق كل المقارنات. فعلاً، المعركة التي تخوضها دبي اليوم في جانب من جوانبها مالية، ولكنها في أكثر جوانبها إعلامية. ومن الخطأ ألا تكون «المعالجة الإعلامية» أهم أولويات دبي في المرحلة القادمة!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu