ليس من المبالغة في شيء القول أن مستقبل مدينة القدس الشرقية المحتلة عام 1967 ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد عدوانها الغاشم بات يشكل مسألة بالغة الأهمية والتأثير ليس فقط على فرص وإمكانات استئناف جهود السلام المتجمدة بفعل المواقف الإسرائيلية، ولكن أيضا على الاستقرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي المنطقة ككل من حولها كذلك.
وفي الوقت الذي تمثل فيه القدس المحتلة مركز اهتمام ومحط أنظار أتباع الديانات السماوية الثلاث، الإسلام والمسيحية واليهودية، بما تضمه من أماكن مقدسة وذات أهمية شديدة لكل من المسلمين والمسيحيين واليهود، على امتداد العالم، فإنه من الطبيعي أن يشعر المسلمون والمسيحيون بمزيد من القلق حيال السياسات والممارسات التي تقوم بها إسرائيل في القدس والأراضي العربية المحتلة خاصة في هذه الفترة.
وإذا كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد عملت دوما على تأجيل النظر في قضايا الوضع النهائي بوجه عام، وفي مستقبل القدس بوجه خاص، حتى الآن، ولأطول فترة ممكنة أيضا، فإنه من الواضح أن حكومة بنيامين نتانياهو قد قررت فرض واقع جديد في مدينة القدس الشرقية وبالنسبة للفلسطينيين المقدسيين - أي الذين يتمتعون بحق الإقامة في القدس والذين يحملون هويات تمكنهم من ذلك.
وفي هذا الإطار فإنه لم يكن مصادفة على أي نحو أن تقوم حكومة نتانياهو بتصعيد عمليات انتزاع مساكن الفلسطينيين المقيمين في مدينة القدس، وطرد من لا يثبت ملكية منزله، وهدم المنازل التي ترى أو تقرر حكومة نتانياهو أنها مخالفة من وجهة نظرها بالطبع، بالإضافة إلى حرمان أعداد متزايدة من الفلسطينيين أبناء مدينة القدس من حق الإقامة فيها.
والتعلل بكل الحجج الممكنة من أجل منع عودة من يغادرها منهم، وذلك لتحقيق هدف محدد هو تخفيض عدد الفلسطينيين المقيمين في القدس إلى أدنى عدد ممكن من ناحية، والاستيلاء على أكبر عدد ممكن من المنازل الفلسطينية ضمن مخطط لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية في القدس المحتلة من ناحية ثانية.
ومن ثم إيجاد واقع جديد على الأرض يحول دون أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية التي وعدت الإدارة الأمريكية ودعا المجتمع الدولي أيضا إلى إقامتها إلى جانب إسرائيل وذلك في إطار تسوية القضية الفلسطينية التي تسعى إدارة الرئيس باراك أوباما إلى تحقيقها، التي تواجه بسببها صعوبات عديدة.
ومع التأكيد على أن الممارسات الإسرائيلية بوجه عام، وحيال مدينة القدس الشرقية بوجه خاص، تنتهك كل القوانين والأعراف الدولية، وكل القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة ومنظماتها الأخرى، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، فإن مما له دلالة عميقة أن إدانة الممارسات الإسرائيلية تلك لم تعد مقصورة على المنظمات الدولية، ولا على الدول المتفهمة للحقوق الفلسطينية، ولكنها امتدت إلى داخل إسرائيل، حيث يتزايد عدد المنظمات والهيئات الإسرائيلية التي تندد بالممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بوجه عام، وضد المقيمين منهم في القدس بوجه خاص.
ولم يكن موقف « مركز هاموكيد للدفاع عن الفرد» سوى نموذج في هذا المجال. وقد أشار المركز إلى أن عدد الفلسطينيين الذين ألغت حكومة إسرائيل إقاماتهم في القدس عام 2008 بلغ 4577 فلسطينيا وهو ما يزيد على نصف عدد من تم إلغاء إقاماتهم فيها على مدى الأربعين عاما الماضية.
وفي ظل المخاطر الكبيرة والحقيقية التي يمكن أن تترتب على مثل هذه السياسات التعسفية والمفضوحة أيضا، فإنه بات من المهم والضروري أن يتحرك المجتمع الدولي، وكل القوى الراغبة حقا في تحقيق السلام في الشرق الأوسط من أجل ممارسة ضغوط حقيقية وفعّالة على حكومة نتانياهو لوقف تلك الممارسات التي يمكن أن تفتح الطريق إلى تصعيد التوتر والمواجهات في الأراضي الفلسطينية وعلى نحو يصعب التنبؤ بالمدى الذي يمكن أن يصل إليه.
أما التلميحات والكلمات الدبلوماسية فإن إسرائيل اعتادت ألا تلتفت إليها مهما كان مصدرها.
