بانهيار الاتحاد السوفييتي، انهار نظام دولي أعقبته حالة سيولة مستمرة للآن، لكن النظام المختفي حلت محله أوضاع مؤقتة، فيما ترك وراءه قضية معلقة هي «النظام النووي العالمي». فقد كان الصراع النووي بين حلفي الناتو ووارسو صفحة مثيرة من تاريخ العالم، وكانت «الحقيبة النووية» رمزا للرعب المتبادل عبر الأطلسي.

والانتشار النووي الذي أعقب الموجة الأولى من التفجيرات النووية، رسم خريطة أخرى للانتشار النووي، وبالتالي أصبح هناك نظام نووي عالمي جديد. ومع تغير النظام العالمي بقي الوضع النووي من ذيول حقبة مضت، ولم ترحل برحيل حالة المواجهة النووية الأميركية الروسية.

أطلت المشكلة برأسها مع تصاعد القلق الدولي من المشروع النووي الإيراني، لكن الخريطة النووية وكذلك ثوابت النظام النووي تشهدان تغيرات مهمة. أهم تلك التغيرات موقع الردع النووي في العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا. فهذه العقيدة تحتفظ بالبند الذي تضمنته سابقتها، حول حق روسيا في توجيه ضربة نووية وقائية ردا على أي «تهديد حرج» لأمنها.

ولا توجد اختلافات مبدئية في العقيدة الجديدة، مقارنة بالعقيدة العسكرية التي تم تبنيها عام 2000، إذ بقيت الأسلحة النووية الوسيلة الرئيسة للدفاع عن أمن البلاد. لكن الغريب أن العقيدة العسكرية السوفييتية كانت تنظر لاستخدام السلاح النووي كرد على ضربة نووية معادية فقط، بينما إمكانية الضربة النووية الاستباقية ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أسس العقيدة العسكرية الروسية عام 1993، ومن ثم في العقيدة الصادرة عام 2000.

ما يعني أن النظام السوفييتي الأيديولوجي الشمولي الذي كان يملك ثاني أكبر ترسانة نووية في العالم، كان أكثر تحفظا في التعامل مع الخيار النووي من النظام الروسي (القومي) الذي يجتهد في تصوير نفسه كنظام ديمقراطي رشيد!

ويكاد يتزامن إقرار الاستراتيجية الجديدة مع توقيع معاهدة أميركية روسية حول تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، أي أن روسيا تتجه لإغلاق باب الصراع النووي مع الغرب نهائيا، فيما تفتح الباب لاستخدامه إقليميا.

والتوجه الأميركي الروسي لتحييد الخيار النووي، يترافق مع توتر نووي متصاعد في ملفي كوريا الشمالية وإيران، إلى جانب مخاوف حقيقية بشأن أمن الترسانة النووية الباكستانية، في بلد يشهد صراعا ضاريا مع جماعات أصولية مسلحة، يخشى كثيرون من وصولها لترسانته النووية. لكن القلق على ما هو أمني وفني، ليس البعد الوحيد للملف النووي الباكستاني.

فقد أعلن مؤخرا ـ فجأة ـ تخلي الرئيس الباكستاني آصف زرداري عن «الزر النووي» لرئيس الوزراء، وهو متغير سياسي مهم في باكستان، فتخلي رئيس الدولة بهذه الصورة، عن الزر النووي معناه تخليه عن إحدى الآليات الأساسية للسلطة، ما يعني أن كل نظام السلطة العليا سيتغير حتما. والمشهد يشبه، إلى حد ما، إرغام الرئيس السابق برويز مشرف على التخلي عن منصب رئيس الأركان!

القرار تم «تجميله» ديمقراطيا وأعلن السكرتير الصحافي لرئيس الجمهورية بشكل مهيب، أن زرداري يرفض بشكل نهائي بهذه الصورة، التسلط الفردي الذي كان من صفات الرئيس السابق برويز مشرف، وهو ما يعززه تصريح الرئيس زرداري بأنه يعتزم التخلي عن حقه في حل البرلمان وعزل رئيس الوزراء. وكان الإشراف على سلاح باكستان النووي على الدوام من اختصاص قيادة البلد العليا، وفريق من العسكريين والمخابرات. وبعد انتهاء فترة رئاسة برويز مشرف أصبح وضع الترسانة النووية غامضا!

«النظام العالمي النووي الجديد» لن يكون واضح المعالم قبل حسم الملفات العالقة، وفي مقدمتها الملفان النوويان لكوريا الشمالية وإيران. ويؤكد الموقف الدولي الإيجابي إزاء الملف النووي الهندي، أن الديمقراطية «صمام أمان» يجب توفره في النظم السياسية التي يقبل المجتمع الدولي امتلاكها سلاحا نوويا.

من ناحية أخرى، فإن «الثنائيات النووية» يمكن أن تشكل كابوسا يهدد أمن العالم بشكل جسيم، فالأميركيون يلوحون للصينيين مهددين بأنه في حال توسع انتشار الأسلحة النووية، فليس من المستبعد أن تنزل اليابان الحلبة، ورغم أن التلويح مستبعد حدوثه، إلا أن تخيله كفيل بإثارة حالة من القلق غير مسبوقة.

فخريطة انتشار الأسلحة النووية يمكن أن تتغير جذريا. فمثلا، في حال قررت كوريا الجنوبية الرد على التهديد النووي الكوري الشمالي بامتلاك الخيار النووي، أو قررت اليابان موازنة الورقة النووية الصينية بنزول المعترك النووي، فإن العالم كله يمكن أن يصبح رقعة شطرنج نووية.

وليس من شك في أن إسرائيل تمثل «الثقب الأسود» الأكثر خطرا في النظام النووي العالمي، فهي تناور في الاعتراف بامتلاكها السلاح النووي، ولا تحقق المعايير الدولية في الإفصاح والشفافية، وترسانتها النووية في واحدة من أخطر نقاط التوتر في العالم.

وبينما يمتد نطاق المشكلات النووية جنوبا وشرقا (كوريا الشمالية ـ إيران ـ باكستان) تصبح موسكو في دائرة النار أكثر، وهي بقدر ما تخشى المتغير الجديد، فإنها تحاول الاستفادة من «الورطة».

وقد طرحت موسكو مؤخرا مسودة اتفاقية جديدة للأمن في الساحتين الأوروأطلسية والأوراسية، كاشفة عن طموحها لأن تكون كبير مهندسي «النظام الأمني العالمي الجديد»، وهو ما اعتبره البعض يشبه مشهد إعلان الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون (1918)، خطة لترتيب البيت العالمي عقب الحرب العالمية الأولى.

فهل تشهد السنوات القليلة القادمة ميلاد واستقرار نظام أمن عالمي جديد، وفي القلب منه نظام نووي عالمي جديد؟

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com