منذ أن قدم قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، مطالبه في شهر أغسطس الماضي بزيادة عدد قواته بنحو 40 ألف جندي، عقد الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ شهر سبتمبر الماضي عشرة اجتماعات لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، مع مساعديه الكبار من مدنيين وعسكريين، لمناقشة مطلب تعزيز القوات الأميركية العاملة في أفغانستان.

بعد ثماني سنوات من الحرب في أفغانستان، وموت 800 جندي أميركي، وصرف أكثر من 200 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب، وبعد ثلاثة أشهر من التفكير العميق والدراسة التفصيلية للخيارات التي عرضت عليه، توصل الرئيس الأميركي إلى بلورة الإستراتيجية التي يفترض أنها تتضمن مخرجا للحرب في أفغانستان، التي ورثها من إدارة بوش السابقة.

وقد أثلج قرار أوباما هذا صدور معارضيه من الجمهوريين الذين سخروا من «تردده»، بل حتى بعض «المحافظين الجدد» الذين رأوا في إكماله للمجهود الحربي في أفغانستان، تحقيقاً لنبوءاتهم وتبريراً لسياسات الإدارة السابقة، فيما أعرب الليبراليون الذين يشكلون قاعدته الحزبية والانتخابية، عن خشيتهم من تورط أميركا في حرب فيتنام جديدة.

وهاهو الرئيس الأميركي باراك أوباما يحدد إستراتيجيته الجديدة التي طال انتظارها، ليربط ما وصف بأنه أهم قرار يتخذه في ولايته الأولى، بالتطورات الميدانية التي ستعجّل «حسمها» زيادة في عديد الجنود، إنما لفترة معينة.

ففي خطاب ألقاه فجر الأربعاء 2 ديسمبر الجاري أمام طلاب الأكاديمية العسكرية في ويست بوينت شمالي نيويورك، أعلن أوباما أنه ينوي إنهاء حرب أفغانستان وسحب معظم القوات في نحو 3 سنوات، وأن تسليم المهام للقوات الأفغانية، وبمعنى آخر سحب قوات أميركية وأطلسية، سيبدأ قبل «وقت طويل» من انتهاء ولايته الرئاسية الحالية في يناير 2013، وتحديدا في يوليو العام 2011، كما ذكر مسؤولون في إدارته.

وينوي الرئيس الأميركي، الذي بحث إستراتيجيته الجديدة مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي ونظيره الباكستاني آصف زرداري، إرسال تعزيزات بما يقارب 35 ألف جندي إلى أفغانستان بحلول أغسطس 2010، في عملية انتشار سريعة تتدرج على 6 أشهر، غير أن وجودهم سيكون محدوداً في الزمن. ويأتي تدرج الانتشار على فترة قصيرة، في إطار إستراتيجية جديدة تبلغ تكاليفها المباشرة ما بين 25 و30 مليار دولار، وتقضي بتسريع المجهود الحربي للتصدي بشكل سريع للتصعيد الحالي في تحركات متمردي طالبان.

غير أن التردد الدولي يزيد في تعميق الحرب وإطالتها، ما يعني في نهاية المطاف أن الحرب التي شنها الرئيس السابق جورج بوش باسم «الحرب على الإرهاب»، وجند لها تحالفا دوليا وحلف شمال الأطلسي، ستصبح ليس حرب الولايات المتحدة فحسب، بل حرب أوباما.

ولاحظ الصحافي جيمس غوردون ميك أن أوباما سينهي سنته الأولى في البيت الأبيض، بعد زيادة عديد القوات في أفغانستان إلى مئة ألف جندي، مع بقاء أكثر من مئة ألف جندي في العراق، وأن المرشح أوباما المناوئ للحرب، سيكون رئيساً مسؤولاً عن أكثر من مئتي ألف جندي أميركي على جبهتين أفغانية وعراقية، وهو عدد يفوق عدد الجنود الأميركيين حتى خلال فترة الاندفاعة العسكرية لبوش في العراق سنة 2007.

تستهدف الإستراتيجية الأميركية القضاء على الوجود العسكري لحركة طالبان، التي باتت تسيطر على 70% من الأراضي الأفغانية خلال الشهور الأخيرة، وعلى قسم أساسي من 4 مليارات دولار، هي الأموال السنوية المتأتية من تجارة المخدرات في إقليم هلمند. فهل تمتلك أمريكا والدول الغربية الأخرى، مقاربة جديدة لبناء دولة حديثة في أفغانستان، تمتلك جهازا أمنيا وجيشا عصريين، قادرين على محاربة الإرهاب، حيث يتطلب تطوير الجيش الأفغاني أموالا باهظة؟

أم أنهم سيستمرون في دعم نظام حامد كرزاي الذي لا يحظى بشعبية محلية، وعاجز عن محاربة الفساد الذي ينخر أجهزة الدولة الأفغانية، علما أن إجمالي المساعدات التي حصلت عليها حكومته طيلة السنوات الماضية بلغ نحو 15 مليار دولار، إضافة إلى اعتماده على أمراء الحرب، الذين يشكلون دعائم التخلف والاستغلال في أفغانستان؟!

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org