الذين استغلوا الإجازة الطويلة التي أتاحتها لهم عطلتا عيد الأضحى واليوم الوطني الثامن والثلاثين فسافروا خارج الدولة، لفتت انتباههم ظاهرة ربما لا تبدو غريبة هذه الأيام، وهي تردد أغلب مواطني الدولة على مستشفيات وعيادات الدول التي يزورونها ـ حتى بقصد السياحة ـ إما لتشخيص وعلاج بعض الأمراض التي يعانون منها، وإما لإجراء الفحوصات الطبية الشاملة للاطمئنان على صحتهم، وفق ما تقتضيه القواعد الصحية السليمة ونصائح الأطباء.

في مستشفى «بوم رن غراد» المعروف بالمستشفى الأميركي في العاصمة التايلاندية بانكوك، على سبيل المثال، تطالعك وجوه مواطني ومواطنات الإمارات في كل ركن وزاوية من زوايا المستشفى ذي الطوابق العديدة والأقسام المتعددة، إلى الدرجة التي تعتقد معها أنك في مستشفى من مستشفيات الإمارات، مع الفارق الذي سنتحدث عنه بطبيعة الحال.

العديد منهم جاؤوا بغرض السياحة، فاستغلوا الفرصة لإجراء فحص شامل يبدأ في الصباح ويتلقون نتائجه في مساء اليوم نفسه، ليتأكدوا من خلوهم من أي مرض، أو ينصحهم الأطباء في نهاية اليوم بضرورة إجراء المزيد من الفحوصات في جانب معين عند الشك في أمر ما، وتطالعك وجوه أخرى تتلقى العلاج في هذا المستشفى منذ مدة، وتتابع علاجها فيه بين فترة وأخرى حتى الوصول إلى الشفاء الكامل.

والشيء نفسه يحدث في مستشفيات العاصمة التايلاندية الأخرى، التي أصبح مواطنو الإمارات يعرفونها أكثر من مستشفيات دولتهم، الحكومية والخاصة، رغم الميزانيات الهائلة التي ترصدها الدولة والحكومات المحلية لمستشفياتها منذ قيام الدولة وقبلها، وما زالت ترصدها كل عام، بينما الخدمات الصحية لدينا تراوح مكانها أو تتدهور عاما بعد عام، ورغم التكلفة العالية التي تتقاضاها المستشفيات الخاصة من المترددين عليها، الذين يراودهم أمل في أن تكون خدماتها أفضل من خدمات المستشفيات الحكومية.

لكن هذا الأمل سرعان ما ينكفئ على وجهه ويتبدد بعد الزيارة الأولى أو الثانية في أحسن الأحوال، فيشعرون أن ما يدفعونه من جيوبهم الخاصة أو تدفعه حكوماتهم المحلية التي تصرف لهم بطاقات «ثقة»، أو ما تدفعه جهات عملهم التي تتعاقد مع شركات تأمين خاصة لتوفير العلاج لهم..

يذهب سدى، بل ويعود عليهم بالضرر، بدلا من الفائدة التي يتوخونها من هذه المستشفيات والعيادات التي غالبا ما يأتي تشخيصها خاطئا وعلاجها غير مجدٍ، ناهيك عن الفوضى التي تنتشر فيها والمعاملة السيئة التي يتلقاها المراجعون لها، والتي وصلت مؤخرا إلى تحول بعض أطبائها إلى ملاكمين يقتلعون أعين المرضى ويسببون لهم عاهات مستديمة، في إشارة واضحة إلى المستوى السيئ الذي وصل إليه بعض المستشفيات الخاصة لدينا، تحت سمع وبصر الجهات الصحية المختصة في دولتنا.

ظاهرة انعدام الثقة في خدماتنا الصحية، الحكومي منها والخاص، لم تعد ظاهرة مستغربة في دولتنا، والدليل عليها هذه الهجرة الواضحة إلى مستشفيات الدول الأخرى، في تايلاند وسنغافورة وغيرها من دول آسيا الشرقية، بعد تاريخ طويل من التعامل مع مستشفيات ألمانيا وبريطانيا ثم الولايات المتحدة، حيث بدأت رحلة علاج مرضانا فيها منذ عقود تزامنت مع قيام دولتنا أو زادت عليها.

وشهدت مستشفياتها الكثير من عمليات تصحيح الأخطاء التي ارتكبها أطباء عاملون في مستشفياتنا، وإعادة تشخيص أمراض لم يتوصل أطباؤنا إلى تشخيصها، رغم كل الأجهزة الحديثة التي وفرتها الدولة لهم والميزانيات الضخمة التي خصصتها لمستشفياتها، الأمر الذي يبرر لنا اللجوء إلى العلاج في الخارج، ويبيح لنا التساؤل عن سبب تدني خدماتنا الصحية وارتفاع مستوى هذه الخدمات في الدول الأخرى، رغم فقر إمكاناتها ومحدودية ميزانياتها مقارنة مع ميزانيات مستشفياتنا!

لا نقول هذا مبالغةً أو تجنيا على مرافقنا الطبية، الحكومي منها والخاص، ولدى كل واحد منا أكثر من دليل وتجربة شخصية على هذا، فحين يختلف خمسة استشاريين كبار يعملون في واحد من أكبر مستشفيات دولتنا، على تشخيص مرض ويذهب كل واحد منهم إلى رأي، ثم يكتشف الأطباء في الخارج أن تشخيص الاستشاريين الخمسة كان خاطئا.

وأن المريض الذي تعرض لعلاج خاطئ يعاني من مرض لا يعرف الأطباء والاستشاريون هنا حتى اسمه، يصبح من حقنا أن نضع ألف علامة استفهام حول مستوى الخدمات الطبية التي تُقدَّم لنا، ومستوى هؤلاء الأطباء والاستشاريين الذين نتعاقد معهم مقابل رواتب خيالية، لا يتقاضى حتى ربعها أولئك الأطباء الذين نلجأ إليهم في الخارج كي يقوموا بتصحيح أخطاء أطبائنا.

وحين يقوم عامل نظافة باستقبال المراجعين في عيادة الطوارئ بأحد مستشفياتنا، كما اكتشف أحد المسؤولين الكبار بوزارة الصحة ذات مرة أثناء زيارة مفاجئة قام بها للمستشفى، يصبح من حقنا أن نفقد الثقة في الكفاءة التي تدار بها مستشفياتنا، والرقابة التي تمارسها هذه الإدارات على موظفيها.

وحين يُعطى مريض يعاني آلاما حادة موعدا لمقابلة الطبيب المختص بعد شهر من مراجعته لعيادة الطوارئ ـ وثلاثة شهور أحيانا ـ في حين يستطيع هذا المريض مقابلة الطبيب المختص في أي مستشفى خارج الدولة في اليوم نفسه، يصبح من حقنا أن نلجأ إلى تلك المستشفيات، ونترك مستشفياتنا لمن لهم صبر أيوب على الابتلاء والرضى بالقضاء والقدر، رغم أننا مسلمون صالحون نؤمن بأن الرب واحد والعمر واحد.

ما الذي ينقصنا كي تكون لدينا خدمات صحية متطورة ومتخصصة للأمراض المختلفة؟ أليست هذه مسؤولية وزارة الصحة والهيئات الصحية المختلفة التي عليها أن تعيد بناء جسور الثقة بيننا وبين مرافقنا الطبية؟! خدماتنا الصحية تعاني من أزمة، هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، وهذا هو تشخيصنا نحن المتعاملين معها.. أما العلاج فهو في يد من بيده الحل والعقد. نقول هذا مع تمنياتنا للجميع بالشفاء العاجل.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com